الزهرة أقرب كوكب إلى الأرض، وأشدّه سوء فهم. من بعيد يبدو توأماً للأرض: حجم مشابه، كتلة مشابهة، مسافة قريبة. لكن من قريب، هو مكان لا يمكن تخيّله: حرارة تقارب 465 درجة مئوية، وضغط جوي يعادل ما نجده على عمق كيلومتر تحت سطح البحر، وسحب من حمض الكبريتيك تغطي الكوكب كله.
بعد عقدين من الإهمال النسبي، عادت وكالات الفضاء إلى الزهرة. ليس بدافع الحنين، بل لأن السؤال الذي يطرحه الكوكب هو من أخطر ما نواجهه: كيف يتحول كوكب صالح للسكن إلى جحيم؟
العودة إلى مكان لم نغادره فعلاً
الزهرة لم تكن يوماً بعيدة عن البشر. الاتحاد السوفيتي أرسل سلسلة مسابير «فينيرا»، وهبط أحدها على سطحها في 1970، وأول صور من سطح كوكب آخر جاءت من هناك سنة 1975. في 1985 أطلق برنامج «فيغا» منطادين صغيرين حلّقا في الغلاف الجوي العلوي لعشرات الساعات. وفي التسعينيات رسم مسبار «ماجلان» الأمريكي خريطة شبه كاملة للسطح بالرادار، لأن الغيوم لا تسمح بأي تصوير ضوئي.
لكن بعد رحيل «ماجلان» سنة 1994، تحوّل الاهتمام إلى المريخ. الزهرة صار الموضوع الذي يُذكر في الكتب ولا يُرسل إليه شيء. المركبة اليابانية «أكاتسوكي» التي دخلت المدار سنة 2015 بقيت تعمل سنوات، لكنها كانت استثناءً.
لماذا الاهتمام الآن؟
ثلاثة عوامل، كل واحد منها كافٍ لإعادة فتح الملف. الأول هو تغيّر المناخ: الزهرة هو المثال الأوضح على «الاحتباس الحراري الجامح». فهمه ليس فضولاً أكاديمياً بل دراسة لحالة قصوى قد تقترب منها الأرض إن تجاوزت حدوداً معينة.
الثاني هو اكتشافات جديدة في الغلاف الجوي. في 2020 أعلن فريق بحث عن أثر لغاز الفوسفين في سحب الزهرة، وهو غاز يُنتج على الأرض بفعل كائنات حية. النتيجة أثارت جدلاً واسعاً، وكثير من الفرق لم يستطع تأكيدها، لكنها أعادت الزهرة إلى عناوين الصحف. وفي السنوات التالية ظهرت إشارات أخرى، أبرزها رصد الأمونيا في الغلاف الجوي العلوي، وهي إشارة غير مفسّرة حتى الآن.
الثالث هو النشاط البركاني. إعادة تحليل صور «ماجلان» بقدرات حاسوبية حديثة كشفت تغيّراً في شكل فوهة بركانية بين زيارتين، وهو دليل قوي على أن الزهرة ما زال نشطاً جيولوجياً. هذا يغيّر فهمنا لتاريخ الكوكب الحراري كلياً.
كيف تصل إلى كوكب يذيب الرصاص؟
الهندسة هنا هي كل شيء. المركبة التي تهبط تحتاج أن تتحمل حرارة تُذيب الرصاص، وضغطاً يساوي 90 ضعف ضغط الأرض. أطول بقاء لمسبر على السطح لم يتجاوز ساعتين، والمسابير السوفيتية حققت ذلك بتبريد مسبق وجسم مضغوط بالغ الحكمة.
لذلك تتجه المهمات الحديثة إلى حلول مختلفة. أحدها: عدم الهبوط أصلاً. العمل من طبقة على ارتفاع 50-60 كيلومتراً حيث الضغط والحرارة أقرب إلى ظروف الأرض، والمناطيد الروسية أثبتت أن هذا ممكن.
الحل الآخر: تعدين السيليكون بدل التبريد. دوائر إلكترونية تُبنى من كربيد السيليكون تعمل في حرارة عالية دون تبريد، وقد اختُبرت في مختبرات على الأرض. مهمة ناسا «دافنشي» تعتمد على هذا النهج: هبوط قصير لكن بجهاز محمي، مع التركيز على قياس تركيبة الغلاف الجوي أثناء النزول.
ثلاث مهمات على الطريق
في العقد المقبل، ثلاثة مشاريع رئيسية تقترب من الزهرة. «دافنشي» التابعة لناسا سترسل مسباراً يسقط عبر الغلاف الجوي ويقيس تركيبته بدقة، بهدف معرفة إن كان للكوكب محيطات في الماضي. «فيريتاس»، أيضاً من ناسا، سيرسم خريطة رادارية عالية الدقة للسطح ويبحث عن النشاط البركاني الحالي. أما «إن فيجن» الأوروبية فستركز على الغلاف الجوي والسطح معاً، وتدرس العلاقة بينهما.
المواعيد تعرّضت لتأخيرات متعددة بسبب الميزانيات وأولويات أخرى، لكن الإطلاق في أوائل الثلاثينيات يبدو المسار الأكثر ترجيحاً. وبينما تنتظر الوكالات الكبرى، تحاول شركات ومختبرات صغيرة إرسال مسابير خفيفة إلى الزهرة بطرق أرخص، وفي بعض الحالات كحمولة ثانوية على صواريخ تجارية.
ما نريد معرفته فعلاً
السؤال الأول: هل كان للزهرة محيطات؟ النماذج تشير إلى أنه ربما احتفظ بماء سائل لمليارات السنين قبل أن يتبخر بالكامل. إن صحّ ذلك، فالزهرة كانت صالحة للسكن يوماً، وهذا يجعل فقدانه درساً مباشراً لنا.
السؤال الثاني: هل ما زالت البراكين تعمل؟ إن كانت تعمل، فالكوكب يمتلك دورة داخلية نشطة، وهذا يغيّر الحسابات حول عمر السطح وتاريخ الغلاف الجوي.
السؤال الثالث: هل يمكن أن توجد كائنات دقيقة في السحب؟ الطبقة الوسطى من غلاف الزهرة فيها ضغط وحرارة قريبان من ظروف الأرض، والماء موجود بكميات ضئيلة. لكن الحمضية الشديدة تجعل أي كيمياء حيوية معروفة مستحيلة تقريباً. هذا لا يمنع أن تكون هناك كيمياء غريبة لم نفهمها بعد.
الزهرة كمرآة
في كل مرة ندرس الزهرة، ندرس الأرض من زاوية أخرى. الاختلاف بينهما ليس في الحجم ولا في المسافة عن الشمس فقط، بل في التفاصيل: وجود ماء سائل، دورة كربون تعمل ببطء، وحقل مغناطيسي يحمي الغلاف الجوي. أي اختلال في أحد هذه العناصر قد ينقل كوكباً من الجنة إلى الجحيم.
هذا هو معنى العودة إلى الزهرة: ليس لاكتشاف مكان جديد، بل لفهم كيف يمكن أن يضيع مكان نعرفه.
الغيوم: المكان الأقل سوءاً
على ارتفاع خمسين كيلومتراً، الحرارة والضغط أقرب إلى ظروف الأرض، لكن السحب حمضية بدرجة تذيب المعادن. اقترح بعض العلماء أن كيمياء السحب قد تسمح بجزيئات عضوية معقدة، بل أظهرت تجارب مخبرية أن بعض الأحماض الأمينية يمكن أن تبقى مستقرة في قطرات حمض الكبريتيك المركز.
هذا لا يعني وجود حياة، لكنه يعني أن استبعادها يحتاج دليلاً لا مجرد استبعاد. ومهمة تعبر السحب وتقيس تركيبها هي ما سيحسم السؤال.
هل كان للزهرة محيط؟
نماذج تطور الكواكب تشير إلى أن الزهرة ربما احتفظ بماء سائل لمليارات السنين، قبل أن ترتفع الحرارة تدريجياً فيتبخر الماء، ويتفكك بخار الماء في الغلاف الجوي العلوي، ويهرب الهيدروجين إلى الفضاء. هذا السيناريو يفسّر بعض النسب غير العادية للديوتيريوم مقارنة بالهيدروجين، وهو أثر متبقٍّ من ماء مفقود.
لكن الأدلة غير قاطعة، لأن السطح أُعيد تشكيله بالكامل تقريباً بحركة بركانية غطت معظمه. لذلك ستحاول المهمات القادمة قياس نسب النظائر بدقة، والبحث عن معادن تدل على تفاعل مع ماء سائل في الماضي.
ماذا يعني ذلك للأرض؟
الزهرة هو أقرب مثال على «الاحتباس الحراري الجامح»: حالة يزداد فيها بخار الماء في الغلاف الجوي، فترتفع الحرارة، فيزداد البخار، حتى يتحول الكوكب إلى فرن. الأرض ليست في هذا المسار اليوم، لكن فهم العتبة التي ينقلب عندها المناخ يفيد في تقييم النماذج المناخية التي نبني عليها سياساتنا.
وبالمقابل، دراسة الزهرة تذكّرنا بأن السكنية ليست خاصية دائمة للكوكب، بل حالة عابرة تحتاج شروطاً مستقرة. وهذا وحده سبب كافٍ للعودة إليه.
كيف تُختبر مركبة الزهرة على الأرض؟
قبل الإطلاق، تدخل الأجهزة غرفاً تحاكي بيئة الزهرة: حرارة تقارب 500 درجة مئوية، وضغط يعادل 90 ضغطاً جوياً، وجو حمضي. أي مادة تُستخدم في البدن أو العوازل أو الإلكترونيات تخضع لهذه الاختبارات لأسابيع، وأحياناً تُفكك الأجهزة بعدها للتأكد من عدم تسرب الحمض إلى الدوائر.
هذه الاختبارات هي ما يفسّر بطء تطوير المهمات: ليس لأن التصميم معقد، بل لأن كل مكوّن يجب أن يُثبت أنه يبقى صالحاً في أسوأ بيئة في النظام الشمسي.
اقرأ المزيد في قسم الفضاء واستكشاف الكون على موقع الفلك.
اترك تعليقاً