السفر إلى المريخ ليس رحلة طويلة، بل إقامة في مكان لا يمكن مغادرته. المهمة القصيرة إلى القمر استغرقت أياماً؛ أما رحلة إلى المريخ فتعني ستة إلى تسعة أشهر في الطريق، ثم انتظاراً على السطح حتى تعود الكواكب إلى اصطفاف يسمح بالعودة، ثم رحلة عودة مماثلة. المجموع: نحو ثلاث سنوات.
في هذه السنوات الثلاث، لن يكون الخطر الأكبر هو الصاروخ ولا الهبوط. الخطر سيكون في الجسم البشري والعقل البشري، وهما لم يتطورا ليعيشا في الفضاء.
الإشعاع: العدو الذي لا يُرى
على الأرض، يحمينا الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي من معظم الجسيمات عالية الطاقة القادمة من الشمس ومن خارج النظام الشمسي. خارج هذا الحماية، يتعرض رواد الفضاء للأشعة الكونية المجرية، وهي جسيمات ثقيلة ومشحونة تخترق الجلد والمركبة معاً.
على محطة الفضاء الدولية، يكون التعرض محدوداً نسبياً لأن المحطة في مدار منخفض ما زال داخل حماية جزئية. وفي رحلة إلى المريخ، لا حماية كهذه. التقديرات تشير إلى أن رائداً في مهمة مريخية سيتعرض لجرعة تعادل عدة أضعاف ما يتعرض له في ستة أشهر على المحطة، مع زيادة في خطر السرطان وتأثيرات محتملة على الجهاز العصبي.
الحلول المقترحة ليست سحرية: دروع من الماء أو البولي إيثيلين حول منطقة النوم، و«غرفة عاصفة» صغيرة يلجأ إليها الطاقم عند انفجار شمسي، وتقصير مدة الرحلة نفسها عبر محركات أكثر كفاءة، مثل الدفع النووي الحراري الذي يدرس بجدية اليوم.
الجاذبية الصغرى: الجسم يذوب ببطء
العظم نسيج حي، يُبنى ويُهدم باستمرار، ويحتاج الحمل الميكانيكي ليبقى قوياً. في الجاذبية الصغرى، يخسر رائد الفضاء ما بين واحد واثنين بالمئة من كثافة العظم شهرياً في مناطق مثل الورك والعمود الفقري، وبعض هذه الخسارة لا يُستعاد بالكامل بعد العودة.
العضلات تتراجع بدورها، والقلب يصبح كروياً أكثر، والسوائل تتجمع في الرأس والصدر. من هنا تأتي ظاهرة «متلازمة العين العصبية المرتبطة بالطيران الفضائي»: تغيّرات في شكل العين وضعف في الرؤية عند بعض الرواد، وسببها على الأرجح ارتفاع الضغط داخل الجمجمة.
المكافحة اليوم تعتمد على التمرين المكثف: نحو ساعتين يومياً على أجهزة مقاومة. هذا يعمل جزئياً، لكنه يستهلك وقتاً وطاقة، وفي رحلة إلى المريخ سيحتاج الطاقم إلى أداء مهام أخرى. لهذا يُدرس «الجاذبية الاصطناعية» عبر تدوير المركبة أو وحدة دوّارة، وهي فكرة قديمة لم تُختبر بمقياس حقيقي.
النفس: ثلاث سنوات مع خمسة أشخاص
هنا يبدأ ما لا تستطيع الأجهزة قياسه بسهولة. في تجربة «مارس-500» التي أُجريت في موسكو بين 2010 و2011، عاش ستة متطوعين 520 يوماً في وحدة مغلقة تحاكي رحلة مريخية. لم تكن هناك جاذبية صغرى ولا إشعاع، لكن التجربة كشفت ما يكفي: مشكلات في النوم، وتوترات بين أفراد الطاقم، وتراجع في المزاج، وضغط نفسي مرتبط بالعزلة.
أضف إلى ذلك عاملاً فريداً في الرحلات البعيدة: «الأرض خارج مجال الرؤية». بعد مسافة معينة، تصبح الأرض نقطة صغيرة، ثم تختفي. رواد الفضاء الذين تحدثوا عن هذا الشعور وصفوه بأنه أكثر إزعاجاً مما توقّعوا؛ ليس خوفاً من الموت، بل إحساساً بالانفصال عن كل ما يعرفونه.
ثم هناك التأخير في الاتصال. الرسالة تحتاج دقائق طويلة، والمحادثة الحقيقية مستحيلة. الطاقم سيتحدث مع أسرته عبر رسائل مسجّلة، وسيتلقى الأخبار بعد ساعات. هذه الوحدة البطيئة أخطر من العزلة الكاملة، لأنها تجعل الدعم النفسي متقطعاً وغير متزامن.
الطب في مكان لا مستشفى فيه
على محطة الفضاء الدولية، أي حالة طبية طارئة تعني العودة إلى الأرض في ساعات. في المريخ، العودة مستحيلة قبل أشهر. هذا يعني أن الطاقم يحتاج إلى قدرات طبية مستقلة: تشخيص، وأدوية، وأجهزة تصوير، وربما جراحة.
تُدرس اليوم أدوات جراحية صغيرة تعمل بتوجيه عن بعد، وأنظمة ذكاء اصطناعي تساعد في التشخيص، وطابعات ثلاثية الأبعاد لتصنيع قطع غيار وأدوات. لكن السؤال الأصعب ليس تقنياً: من سيتخذ قراراً طبياً حرجاً في غياب طبيب متخصص؟ هل يُختار الطاقم ليشمل طبيباً، أم يُدرَّب الجميع على مهارات أساسية؟
هندسة القيادة: من يتخذ القرار؟
في المهمات الحالية، مركز التحكم يتابع كل تفصيل، ويستطيع إيقاف أي إجراء. في رحلة مريخية، التأخير يجعل هذا مستحيلاً في المواقف الطارئة. يحتاج الطاقم إلى استقلالية حقيقية، ومعه إلى قواعد واضحة: أي قرار يُتخذ على الفور، وأي قرار ينتظر موافقة الأرض، ومن له الكلمة الأخيرة عند الخلاف.
التجارب في محطات القطب الجنوبي، حيث تعمل فرق صغيرة معزولة لأشهر، تُستخدم كنموذج. الدرس المستفاد هناك أن الصراع لا ينشأ من الكوارث الكبرى، بل من التفاصيل اليومية: من ينظف، من يتكلم أكثر، من يأخذ القرار الصغير. لهذا تُختبر فرق مريخية محاكاة بسيناريوهات مملة عمداً، لأن الملل هو ما يختبر العلاقات.
ما الذي قد يغيّر المعادلة؟
ثلاثة مسارات قد تقلّص المشكلة بدل حلها. الأول: تسريع الرحلة. تقليل زمن الذهاب من تسعة أشهر إلى ثلاثة يقلّص الإشعاع والضمور والعزلة معاً. الثاني: بناء محطات وسيطة على القمر لاكتساب الخبرة في العيش الطويل خارج الأرض. الثالث: أتمتة أوسع، بحيث يذهب البشر إلى المريخ للعمل وليس للبقاء طويلاً.
لكن حتى مع كل ذلك، تبقى الحقيقة الأساسية: المريخ ليس مكاناً للسياحة. من يذهب سيكون جزءاً من تجربة بشرية لم يسبق لها مثيل، وسيدفع ثمنها بجسده ووقته، مقابل شيء واحد لا يُشترى: أن يكون من أول من رأى كوكباً آخر بعينه لا بشاشة.
الماء والهواء: حلقة مغلقة
على محطة الفضاء الدولية، يُعاد تدوير جزء كبير من المياه، بما في ذلك بخار التنفس والعرق، بنسبة استرجاع تتجاوز تسعين بالمئة. والأكسجين يُنتج بتحليل الماء كهربائياً. في رحلة مريخية، يجب رفع هذه النسب إلى ما يقارب الكمال، لأن كل كيلوغرام يُحمل من الأرض يستهلك وقوداً.
وهذا يعني أن أنظمة الحياة ليست ملحقاً تقنياً، بل العمود الفقري للمهمة: أي خلل في إعادة التدوير قد ينهي الرحلة قبل أن تصل.
الغذاء: من الأنبوب إلى الزراعة
على محطة الفضاء الدولية، يأكل الرواد طعاماً مُعالجاً أُرسل من الأرض، مع بعض الخضروات الطازجة التي تُزرع في وحدات صغيرة. في رحلة إلى المريخ، لا يمكن حمل ثلاث سنوات من الطعام؛ الوزن وحده يجعل المهمة مستحيلة.
لذلك تتجه الأنظمة نحو الزراعة المغلقة: نباتات تنمو في وسط مائي تحت ضوء اصطناعي، تستهلك ثاني أكسيد الكربون وتنتج أكسجيناً وطعاماً. التجارب على المحطة أنتجت خساً وبعض الأعشاب، لكن بناء نظام غذائي متكامل يغطي احتياجات شخص لسنوات ما زال هدفاً بعيداً.
الوقت النفسي: كيف يُقاس؟
الصعوبة في الجانب النفسي أنه لا يوجد مؤشر رقمي واحد. تستخدم الفرق اختبارات مزاج دورية، وتسجيل النوم، وتحليل نبرة الصوت في الاتصالات، وتقارير ذاتية. كلها أدوات غير دقيقة، لكنها تكشف الانحدار المبكر قبل أن يصبح مشكلة.
الأهم من القياس هو التدخل: تمارين إجبارية، ومساحات خاصة لكل فرد، وجدول واضح يمنح إحساساً بالسيطرة. في بيئة لا يمكن مغادرتها، الشعور بالتحكم قد يكون أهم من أي دواء.
ما لا نعرفه بعد عن الجسم البشري
أطول إقامة متصلة لرائد فضاء على محطة الفضاء الدولية اقتربت من سنة. المهمة المريخية تعني ثلاث سنوات متصلة، وهي مدة لم يجربها بشر. لا نعرف كيف يتصرف الجهاز المناعي بعد سنوات في الفضاء، ولا كيف تتغير البكتيريا المفيدة في الأمعاء، ولا إن كانت بعض التغيّرات قابلة للعكس.
ما نعرفه أن الجسم يتكيّف بسرعة مع غياب الجاذبية، والمشكلة أن التكيّف نفسه هو الخطر: العضلات تتراجع لأنها لم تعد تحتاج، والعظام تُهدم لأنها لا تحمل وزناً. العودة إلى الجاذبية بعد سنوات قد تكون أصعب من الرحلة نفسها.
اقرأ المزيد في قسم الفضاء واستكشاف الكون على موقع الفلك.
اترك تعليقاً