>
الرئيسية الفضاء واستكشاف الكون كيف تعمل التلسكوبات الراديوية وكيف تختلف عن التلسكوبات البصرية؟
الفضاء واستكشاف الكون

كيف تعمل التلسكوبات الراديوية وكيف تختلف عن التلسكوبات البصرية؟

مشاركة
طبق تلسكوب راديوي عملاق
طبق شبكة الفضاء العميق بقطر 70 متراً (ناسا)
مشاركة
إعلان / Advertisement

📢 مساحة إعلانية ذكية (تظهر بعد 3 ثوانٍ من فتح المقال)
[جاهز لربط شفرة Google AdSense الحقيقية على الموقع]

في الليل، بعيداً عن أضواء المدن، يمكنك أن ترى مجرة أندروميدا كنقطة ضبابية. العين البشرية تراها لأن الضوء المرئي يصل إليها. لكن لو كانت لديك عين ترى الموجات الراديوية، لكانت السماء مختلفة تماماً: نجوم تنبض كساعات دقيقة، وسحب هيدروجين باردة تملأ المجرة، وأصداء انفجارات حدثت قبل مليارات السنين.

التلسكوبات الراديوية هي تلك العين. وهي لا تشبه التلسكوبات التي نعرفها لا في الشكل ولا في المنطق، وهذا بالضبط ما يجعلها أداة لا بديل عنها.

الفرق الأساسي: الضوء ليس واحداً

الضوء المرئي والأمواج الراديوية كلاهما كهرومغناطيسي، لكن بينهما فرق في الطول الموجي يقاس بملايين المرات. الضوء المرئي طوله أجزاء من الميكرومتر، أما الموجات الراديوية الفلكية فتمتد من المليمتر إلى الأمتار.

هذا الفرق يغيّر كل شيء. الموجات الراديوية الطويلة تمرّ عبر الغبار الكوني الذي يحجب الضوء المرئي، وتصل إلينا من مناطق لا نراها بأي تلسكوب بصري، مثل سحب الغاز الباردة حيث تولد النجوم، أو مركز مجرتنا حيث تحجب الغيوم كل شيء.

وهي ترى ظواهر مختلفة تماماً. النجوم العادية تُصدر ضوءاً مرئياً قوياً، لكن كثيراً منها باهت راديوياً. في المقابل، هناك أجسام لا تكاد تُرى بصرياً وتصرخ في الراديو: النجوم النابضة، والثقوب السوداء الهائلة، وبقايا المستعرات العظمى.

كيف يعمل الطبق؟

المبدأ نفسه في كل تلسكوب: جمع أكبر قدر من الإشارة وتركيزها. في التلسكوب البصري، مرآة منحنية تجمع الضوء. في الراديوي، سطح معدني مكافئ يعكس الموجات نحو مستقبل صغير في البؤرة.

لكن حجم الطبق يحكم كل شيء. كلما كبر القطر، زادت الحساسية وقدرتنا على رؤية تفاصيل أدق. لهذا بُنيت أطباق عملاقة: طبق «فاست» في الصين بقطر 500 متر هو الأكبر في العالم، ويعمل منذ 2016. وطبق «غولدستون» في كاليفورنيا بقطر 70 متراً هو واحد من أهم أطباق شبكة الفضاء العميق التي تتواصل مع المسابير البعيدة.

المشكلة: الدقة

هنا يظهر الفرق الحاسم. دقة أي تلسكوب تتناسب طردياً مع قطر العدسة وعكسياً مع الطول الموجي. ولأن الطول الموجي الراديوي أطول بملايين المرات، فإن طبقاً واحداً بدقة تلسكوب بصري صغير سيحتاج إلى قطر بعرض قارات.

الحل الذي غيّر علم الفلك: التداخل. بدل بناء طبق عملاق، نستخدم عدة أطباق متباعدة، ونجمع إشاراتها بحيث تعمل كأنها طبق واحد بحجم المسافة بينها. هذه التقنية، المسماة «التداخل الراديوي»، هي ما يجعل الصور الراديوية ممكنة.

مصفوفات بدل تلسكوب واحد

«مصفوفة كارل جانسكي الكبيرة جداً» في نيو مكسيكو هي المثال الكلاسيكي: 27 طبقاً على سكك حديدية، يمكن تحريكها لتغيير المسافات بينها. النتيجة أن المصفوفة تستطيع التضحية بالحساسية مقابل الدقة أو العكس، حسب الهدف العلمي.

وفي تشيلي، تعمل «ألما» على ارتفاع خمسة آلاف متر، بستة وستين طبقاً ترصد الموجات المليمترية ودون المليمترية. هذه الأطوال الموجية حساسة للغبار البارد والجزيئات العضوية، وهي المكان الذي تُرصد فيه أقراص الكواكب الوليدة.

وحين نصل إلى أقصى الحدود، نربط تلسكوبات في قارات مختلفة، فيصبح «الطبق» بحجم الأرض تقريباً. هذه التقنية تُسمى «التداخل الراديوي طويل القاعدة جداً»، وهي التي أنتجت أول صورة لثقب أسود في مجرة بعيدة.

ماذا نستمع إليه فعلاً؟

أشهر ما ترصده التلسكوبات الراديوية هو خط الهيدروجين عند 21 سنتيمتراً. الهيدروجين المتعادل هو أكثر العناصر وفرة في الكون، وهو يُصدر إشارة ضعيفة لكن ثابتة. بقياس انزياح هذه الإشارة، نرسم خريطة لتوزّع الغاز في مجرتنا وفي مجرات أخرى، وهي الطريقة الأساسية لمعرفة كيف تدور المجرات ولماذا نحتاج مادة مظلمة لتفسير دورانها.

ثم هناك النجوم النابضة: نجوم نيوترونية صغيرة تدور بسرعة مذهلة وتُصدر نبضات منتظمة كالساعة. دقتها جعلت منها مراجع زمنية كونية، وباستخدامها اكتشف العلماء في 2023 خلفية موجات جاذبية تهزّ المجرة بتموّجات بطيئة.

ولا ننسى الانفجارات الراديوية السريعة: ومضات تستمر أجزاء من الثانية وتأتي من مجرات بعيدة، ولم يُفهم مصدرها تماماً. بعضها يتكرر، وبعضها يحدث مرة واحدة ولا يتكرر أبداً.

القيود التي لا يعرفها الجمهور

التلسكوب الراديوي أكثر هشاشة مما يبدو. هواتفنا وأجهزة الميكروويف والأقمار الصناعية تُصدر ضوضاء راديوية تُشوّش الإشارات الفلكية الضعيفة. لهذا تُقام المصفوفات في مناطق معزولة، وتُفرض «مناطق صمت راديوي» قانونية حولها. في بعض الحالات، يُطلب من السكان إيقاف أجهزة معينة أثناء رصد حساس.

وهناك مشكلة البيانات: المصفوفات تنتج كميات هائلة، تُنقل عبر شبكات ألياف بصرية وتُعالج بحواسيب ضخمة. جزء كبير من عمل الفلك الراديوي اليوم هو هندسة بيانات، لا رصد.

لماذا لا يكفي التلسكوب البصري؟

لأن كل نافذة على الكون تُظهر جزءاً من الحقيقة. التلسكوب البصري يرى النجوم الفتية الساخنة والغاز المتأين. التلسكوب الراديوي يرى الغاز البارد، والحقول المغناطيسية، والجسيمات المسرّعة. صورة الجرم نفسه في نافذتين قد تبدو مختلفة تماماً، وهذا الاختلاف هو المعلومة.

مثال واضح: مجرة تبدو هادئة بصرياً قد تكون في الراديو نفاثات هائلة تخرج من مركزها. ما نراه بالعين هو غلاف رقيق فوق محيط من النشاط.

ما القادم؟

«مصفوفة كيلومتر مربع» هي المشروع الأكبر القادم: آلاف الهوائيات موزعة في جنوب إفريقيا وأستراليا، سترصد موجات أطول وأضعف مما نراه اليوم. أهدافها طموحة: أولى لحظات الكون، واختبار النسبية العامة في ظروف قصوى، والبحث عن إشارات لا نعرف أنها موجودة.

وهناك سؤال قديم يعود مع كل تحسين في الحساسية: هل نستمع إلى شيء صنعه أحد؟ البحث عن ذكاء خارج الأرض يعتمد اليوم على التلسكوبات الراديوية أكثر من أي أداة أخرى. حتى الآن، كل ما سمعناه طبيعي. لكن كل زيادة في الحساسية تفتح نافذة أوسع على احتمال أن نسمع شيئاً لا تفسير طبيعي له.

من يستمع؟

بين الرصد الفلكي والبحث عن إشارات ذكية خط رفيع: كلاهما يستخدم الأطباق نفسها، لكن الأول يدرس ظواهر طبيعية والثاني يبحث عن نمط لا يفسّره أي قانون طبيعي. مشاريع مثل «بريكثرو ليستن» تعمل على تلسكوبات موجودة، وتستخدم برمجيات تصفية تستبعد الإشارات المعروفة.

حتى الآن، كل إشارة أثارت الاهتمام تبخّرت عند إعادة الرصد، أو تبيّن أنها قمر صناعي أو ميكروويف مطبخ.

كيف تُبنى الصورة من عدة أطباق؟

الفكرة تعتمد على خاصية أساسية في الموجات: التداخل. حين تصل موجة واحدة إلى طبقين متباعدين، تصل في لحظتين مختلفتين قليلاً، وهذا الفارق الزمني يحمل معلومة عن اتجاه مصدرها. بجمع الإشارات مع الحفاظ على هذا الفارق بدقة أجزاء من المليار من الثانية، يُصبح من الممكن إعادة بناء صورة بدقة تعادل طبقاً بحجم المسافة بين الأطباق.

هذا ما يجعل التلسكوبات الراديوية قادرة على رؤية تفاصيل في مركز المجرة أو حول الثقوب السوداء، حيث لا يمكن بناء طبق واحد بحجم الأرض. الثمن هو التعقيد: مزامنة زمنية بالغة الدقة، ومعالجة بيانات هائلة، ومعايرة مستمرة.

الصمت الراديوي: مورد نادر

مناطق الصمت الراديوي صارت أندر من الأطباق نفسها. مع انتشار شبكات الهاتف والأقمار الصناعية، تُصبح الأطوال الموجية الطويلة مزدحمة. لهذا تُبنى المصفوفات في صحارٍ نائية، وتُسنّ قوانين تحدّ من الإرسال حولها، وقد تُطلب من السكان إيقاف أجهزة معينة أثناء رصد حساس.

هذا صراع مستقبلي حقيقي: كل زيادة في الاتصالات اللاسلكية تعني ضوضاء أكثر، وكل زيادة في الضوضاء تعني رصداً أصعب. علم الفلك الراديوي بذلك ليس علماً فقط، بل تفاوضاً دائماً مع العالم الحديث.

اقرأ المزيد في قسم الفضاء واستكشاف الكون على موقع الفلك.

مشاركة

اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *