>
الرئيسية الفضاء واستكشاف الكون تلسكوب “إقليدس”: التحقيق في المادة المظلمة من مدار الأرض
الفضاء واستكشاف الكون

تلسكوب “إقليدس”: التحقيق في المادة المظلمة من مدار الأرض

مشاركة
تلسكوب إقليدس في الفضاء
تصوّر فني لتلسكوب إقليدس في الفضاء (إيسا/ناسا)
مشاركة
إعلان / Advertisement

📢 مساحة إعلانية ذكية (تظهر بعد 3 ثوانٍ من فتح المقال)
[جاهز لربط شفرة Google AdSense الحقيقية على الموقع]

في الأول من يوليو 2023، أقلع تلسكوب فضائي أوروبي في رحلة نحو نقطة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن الأرض. اسمه «إقليدس»، ومهمته لا تبدو للوهلة الأولى مثيرة: رسم خريطة ثلاثية الأبعاد للكون. لكن هذه الخريطة ليست أطلساً للنجوم، بل محاولة لكشف ما لا يُرى: المادة المظلمة والطاقة المظلمة التي تشكّلان 95 بالمئة من الكون.

المفارقة التي يعيشها علم الفلك اليوم غريبة. نعرف بدقة مذهلة مما يتكوّن 5 بالمئة من الكون، ونعرف أن الباقي موجود، لكن لا نعرف مما يتكوّن.

ما هي المادة المظلمة، ولماذا نفترض وجودها؟

في الثلاثينيات، لاحظ عالم الفلك فريتز زفيكي أن المجرات في العناقيد تدور بسرعة أكبر مما تسمح به كتلتها المرئية. لو كانت الكتلة الظاهرة فقط، لكانت هذه المجرات قد تفرّقت منذ زمن طويل. الحل الوحيد: كتلة إضافية لا تُصدر ضوءاً.

منذ ذلك الحين، تراكمت الأدلة. منحنى دوران المجرات الحلزونية لا ينخفض عند الأطراف كما ينبغي، وعدسات الجاذبية تُظهر انحناء ضوءاً أكثر مما تتوقعه الكتلة المرئية، وتوزّع الحرارة في العناقيد يتطلب كتلة خفية. النتيجة: نحو 27 بالمئة من الكون مادة مظلمة، و68 بالمئة طاقة مظلمة تدفع التوسّع المتسارع، و5 بالمئة فقط مادة عادية نراها.

كيف يرى التلسكوب ما لا يُرى؟

«إقليدس» لا يصوّر المادة المظلمة مباشرة، فهذا مستحيل. ما يفعله أنه يقيس أثرها. المرور الضوئي للبنية الكونية يجعل صور المجرات البعيدة مشوّهة قليلاً، ويُسمى هذا «العدسية الجاذبية الضعيفة». التحليل الدقيق لأشكال ملايين المجرات يكشف كيف توزّعت الكتلة بيننا وبينها، بما فيها الكتلة الخفية.

الأسلوب الثاني: رسم توزيع المجرات في المكان والزمان. الكون له بنية شبكية، والمادة المظلمة هي الهيكل الذي نمت عليه هذه الشبكة. بقياس المسافات بين المجرات بدقة عبر «التذبذبات الصوتية الباريونية»، يمكن قياس معدل توسّع الكون في عصور مختلفة، وهذا هو المفتاح لفهم الطاقة المظلمة.

التلسكوب نفسه: مرآة وعدسة عملاقة

مرآة «إقليدس» بقطر 1.2 متر، وهي ليست الأكبر في الفضاء، لكن التلسكوب مصمّم لرؤية واسعة: كل صورة تغطي مساحة تعادل مئات من أقراص القمر. الكاميرا المرئية فيه تحتوي نحو 600 مليون بكسل، وأجهزة الأشعة تحت الحمراء تسمح بقياس الانزياح الأحمر للمجرات، أي تحديد بعدها.

خلال ست سنوات، سيرصد «إقليدس» نحو ثلث السماء، ويقيس مليار ونصف مليار مجرة. هذا حجم لم يسبق أن جُمع في تاريخ علم الفلك، ومعه تتحوّل الإحصاءات الفلكية من دراسة حالات فردية إلى علم دقيق.

ما الذي وصلنا منه حتى الآن؟

في نوفمبر 2023 نشرت الوكالة الأوروبية أول صور كاملة الدقة، وكانت مذهلة بجمالها: سديم رأس الحصان، وعناقيد مجرية، ومجرات حلزونية بتفاصيل لم تُرَ من قبل. لكن الجمال كان الأثر الجانبي؛ الهدف كان إثبات أن الأجهزة تعمل كما صُممت.

ثم جاء الإصدار العلمي الأول في مارس 2025، وفيه بيانات ثلاث مناطق عميقة من السماء، شملت عشرات الملايين من المجرات والنجوم والعدسات الجاذبية. هذه ليست صوراً فقط بل قياسات قابلة للاستخدام في أبحاث محكّمة، ونُشرت مجاناً لكل الباحثين في العالم.

ما الذي يظهر فيها؟

أبرز ما يلفت النظر هو العدد الهائل من عدسات الجاذبية: حالات تتشوّه فيها صورة مجرة بعيدة على شكل قوس بسبب كتلة مجرة قريبة. كل قوس كهذا هو مقياس جاهز لكتلة العدسة، وكل عدسة هي اختبار لنماذج المادة المظلمة.

وفي هذه البيانات ظهرت أيضاً مجرات قزمة معزولة، وسلاسل من المجرات تربط العناقيد ببعضها، وهي البنى التي تتوقعها المحاكاة الحاسوبية للمادة المظلمة. لا شيء يخالف النموذج حتى الآن، وهذا بحد ذاته نتيجة: النموذج صحيح، لكنه ناقص.

لماذا لا يكفي أن نقول «مادة مظلمة»؟

لأن الاسم يخفي مشكلة. نحن نعرف ما تفعله المادة المظلمة: تجذب، وتشكّل الهياكل، وتبطئ دوران المجرات. لكننا لا نعرف ما هي. النماذج المقترحة كثيرة: جسيمات ثقيلة تتفاعل بشكل ضعيف، أو أجسام صغيرة جداً، أو تعديل في قانون الجاذبية نفسه. التمييز بينها يحتاج بيانات دقيقة عن كيفية توزّع هذه المادة في المقاييس المختلفة، وهذا بالضبط ما يقدمه «إقليدس».

الطاقة المظلمة أصعب. لا نعرف عنها إلا أنها تدفع التوسّع، وأن كثافتها ثابتة تقريباً مع الزمن. هل هي ثابت كوني كما قال أينشتاين؟ أم مجال يتغيّر؟ الجواب يغيّر مصير الكون: توسّع أبدي، أو انهيار في النهاية.

الكون كتجربة فيزيائية

ما يجعل «إقليدس» مهماً خارج دوائر الفلك هو أنه يحوّل الكون إلى مختبر. الفيزيائيون لا يستطيعون بناء مسرّع جسيمات بحجم مجرة، لكنهم يستطيعون قياس أثر الجاذبية على مسافات مليارات السنين الضوئية، واستخدام ذلك لاختبار نظريات الجاذبية نفسها.

وهناك أمل صغير لكنه حقيقي: أن تكشف البيانات شيئاً لا يتوقعه أحد. تاريخ علم الفلك يقول إن هذا يحدث كثيراً. أدق القياسات هي التي تُنتج المفاجآت، لأنها تكشف الفجوة بين ما نراه وما نفترضه.

ما القادم؟

على مدى السنوات القادمة، ستُطلق إصدارات بيانات متتالية من «إقليدس»، وكل إصدار سيكون أكبر من سابقه. وفي 2027 تقريباً، سينضم إليه تلسكوب «رومان» الأمريكي الذي سيرصد حقلاً واحداً بتفصيل أعلى. معاً، سيعطينا التلسكوبان صورة أوسع وأدق للبنية الكونية.

السؤال الذي سيُحسم في العقد القادم بسيط في صياغته: هل المادة المظلمة مادة فعلاً، أم أن فهمنا للجاذبية ناقص؟ أياً كان الجواب، فالخريطة التي يرسمها «إقليدس» ستكون الأساس الذي يُبنى عليه.

إقليدس أم ويب؟

الخطأ الشائع مقارنة الاثنين كأنهما بديلان. تلسكوب «ويب» يرصد أهدافاً محددة بتفصيل مذهل، لكن مجال رؤيته ضيق. «إقليدس» يفعل العكس: دقة أقل لكل مجرة، لكنه يرى مساحة تعادل مئات الأضعاف، بأعداد تكفي لقياس إحصائي دقيق.

التشبيه الأقرب: «ويب» يقرأ صفحة واحدة بتكبير عالٍ، و«إقليدس» يقرأ مكتبة كاملة ليعرف نوع الكتب التي تحتويها.

كيف تقيس الطاقة المظلمة؟

الطريقة تعتمد على مؤشر قياسي في علم الفلك: «المسطرة القياسية». لدى الفلكيين أجسام نعرف سطوعها الحقيقي، فيمكن استنتاج بعدها من شدة لمعانها الظاهر. في مشروع إقليدس، تُستخدم بدلاً من ذلك مقياس كوني أوسع: المسافة المتوسطة بين المجرات.

هذه المسافة لها حجم ثابت مشتق من الفيزياء المبكرة للكون، ويُسمى «الأفق الصوتي». وبقياس كيف يتغير هذا الحجم الظاهري مع الزمن، يمكن رسم منحنى توسّع الكون في عصور مختلفة، وهذا المنحنى هو ما يحدد طبيعة الطاقة المظلمة.

الخريطة ليست الصورة النهائية

من المهم توضيح أن «إقليدس» لا يعطي إجابة واحدة، بل يضيّق هامش الخطأ في نماذج موجودة. في السنوات القادمة ستظهر تقديرات متعددة، بعضها لن يتوافق تماماً مع الآخر، وهذا طبيعي في بداية أي قياس دقيق.

القيمة الحقيقية تظهر حين تتفق قياسات مستقلة، مثل مستعرات السوبرنوفا وقياسات الخلفية الكونية، مع خريطة إقليدس. الاتفاق يقوّي النموذج، والاختلاف يشير إلى فيزياء جديدة. في الحالتين، المكسب علمي.

ما الذي قد يغيّر فهمنا؟

في علم الكونيات خلاف قائم منذ سنوات بين طريقتين لقياس معدل التوسّع: حسابات مبنية على الخلفية الكونية تعطي قيمة، وقياسات قريبة تعطي قيمة أقل. الفارق صغير لكنه ثابت، ويُسمى «توتر إس-8» أو توتر هابل حسب المقياس.

خريطة إقليدس واسعة بما يكفي لمعرفة أي الطريقتين تخطئ. إن أكدت القيمة المنخفضة، فالمشكلة في القياسات المحلية. وإن أكدت العالية، فقد نحتاج تعديلاً في النموذج القياسي نفسه. هذا هو نوع النتائج الذي ينتظره الفيزيائيون.

اقرأ المزيد في قسم الفضاء واستكشاف الكون على موقع الفلك.

مشاركة

اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *