على بعد مئات الملايين من الكيلومترات، حيث تصل الأوامر بعد تأخير يتراوح بين ثلاث دقائق و22 دقيقة، لا يمكن لمهندس على الأرض أن يوجّه عربة المريخ كما يُوجّه سائق سيارة. لو انتظرت العربة الإشارة قبل كل حركة، لكانت تقدّمت أمتاراً في اليوم، ولما وصلت إلى أي هدف علمي.
لهذا السبب بالضبط وُلد أحد أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي واقعية: روبوتات تُقرر بنفسها، على سطح كوكب آخر، ماذا ترى وأين تذهب وأي صخرة تستحق أن تُحلّل.
لماذا يحتاج الروبوت إلى ذكاء أصلاً؟
المسافة بين الأرض والمريخ تتغير بين 55 مليون كيلومتر و400 مليون، ومعها يتغير زمن التأخير. في أفضل الحالات تصل الإشارة في نحو ثلاث دقائق في اتجاه واحد؛ في أسوأها تتجاوز 22 دقيقة. والعربة لا تعمل إلا في نافذة قصيرة من ضوء النهار المريخي، فلو انتظرت التوجيه البشري بعد كل قرار، لضاع نصف وقت العمل على الأقل.
المشكلة ليست في السرعة فقط، بل في المعلومات أيضاً. الصورة التي يراها المهندس على شاشته وصلت متأخرة، وقد تكون العربة نفسها قد تحرّكت أو غيّرت زاويتها. لذلك بُني النظام على مبدأ مختلف: الإنسان يضع هدفاً عاماً، والروبوت يتخذ القرارات الجزئية في اللحظة.
ما الذي يفعله الذكاء الاصطناعي على المريخ اليوم؟
على متن «بيرسيفيرانس»، لا يوجد ما يشبه روبوتات المحادثة. الموجود أنظمة متخصصة تؤدي مهاماً محددة بدقة، وهي في كثير من الأحيان أكثر فاعلية من أنظمة عامة.
الملاحة الذاتية
العربة تلتقط صوراً بكاميراتها، تبني منها خريطة ثلاثية الأبعاد للتضاريس أمامها، تحدد الصخور والحفر والمنحدرات الخطرة، ثم ترسم مساراً آمناً وتنفّذه دون انتظار إذن. هذه العملية تحدث في دقائق على سطح المريخ بمعالج لا يعادل جزءاً صغيراً من هاتف حديث.
هذا النظام غيّر معدل التقدّم بشكل ملموس: صارت العربة تقطع عشرات الأمتار في اليوم بدل بضعة أمتار، وهو فرق يعني الوصول إلى طبقات صخرية مختلفة قبل انتهاء عمر المهمة.
اختيار الأهداف العلمية
برنامج يُسمى «إيجيس» يتيح للعربة تحليل صور جديدة بحثاً عن أهداف تستحق القياس: صخرة ذات نسيج غريب، أو طبقة معدنية لامعة، أو حصاة تبدو مختلفة. حين تجد ما يستحق، توجّه ليزرها أو مطيافها إليه وتقيس تركيبته، ثم ترسل النتيجة مع الصورة إلى الأرض.
هذا يعني أن البشر لم يعودوا يختارون كل هدف بأنفسهم. أحياناً يكتشف الروبوت شيئاً لم يكن في خطة اليوم، وهذا بالضبط ما حدث في حالات عديدة.
«إنجينويتي»: طائرة بلا طيّار على كوكب آخر
في أبريل 2021، حملت «بيرسيفيرانس» مروحية صغيرة بكتلة أقل من كيلوغرامين، بشرائح معالج من نوع تجاري وبرمجيات مفتوحة المصدر جزئياً. كان الهدف اختبار فكرة واحدة: هل يمكن الطيران في غلاف جوي كثافته واحد بالمئة من غلاف الأرض؟
النتيجة تجاوزت كل التوقعات: 72 رحلة، وأكثر من ساعتين من الطيران الكلي، وأول رحلة مُخطّطة بالكامل بواسطة الحاسوب على متن المروحية نفسها دون تدخل بشري في التفاصيل. «إنجينويتي» أثبتت أن الطائرات المستقلة قد تكون جزءاً من استكشاف الكواكب، وأن المعالجات الرخيصة نسبياً قد تعمل في بيئة قاسية.
المعالج الصغير الذي يعمل وسط الإشعاع
الحقيقة التي تفاجئ الكثيرين: الحواسيب الفضائية ليست أسرع من حواسيبنا، بل أبطأ بكثير. معالج «بيرسيفيرانس» يعمل بتردد يقارب 200 ميغاهرتز، وذاكرته لا تتجاوز بضع مئات من الميغابايت. السبب هو الإشعاع: في الفضاء، تصطدم الجسيمات عالية الطاقة بالدوائر وقد تُغيّر بتاً واحداً، وبتٌ واحد قد يعني أمراً خاطئاً يقتل المهمة.
لذلك تُختار المعالجات المطوّرة للبيئات القاسية، وتُبرمَج بحيث تتحقق من نفسها وتُعيد التشغيل عند أي خطأ. الذكاء الاصطناعي في الفضاء لا يعني نماذج ضخمة، بل خوارزميات صغيرة مُحسّنة تعمل بثقة ضمن قيود صارمة.
الفرق بين الذكاء هنا وهناك
على الأرض، يمكن للنموذج أن يخطئ ويعيد المحاولة، فالتكلفة بضع ثوانٍ. في الفضاء، الخطأ قد يعني ضياع يوم عمل، أو حفراً في مكان خاطئ، أو في أسوأ الحالات تلفاً لا يمكن إصلاحه. لهذا تُصمم الأنظمة بقدر عالٍ من الحذر: قرار محافظ ناقص أفضل من قرار جريء خاطئ.
الفرق الثاني هو البيانات. على الأرض، النموذج يتدرّب على ملايين الصور. في الفضاء، البيانات قليلة ومكلفة وبطيئة الوصول، والنموذج يجب أن يعمل على ما لم يرَه من قبل. هذا ما يجعل «التعلم على الحدود» تحدياً هندسياً حقيقياً.
المخاطر: من يتحمل الخطأ؟
حين تتخذ العربة قراراً خاطئاً وتعلق في رمل ناعم، لا يمكن لومها. اللوم يعود إلى من صمّم الخوارزمية، ومن قدّر أن هذا المكان آمن. ومع ازدياد الاستقلالية، تزداد صعوبة تحديد المسؤولية: هل المهندس الذي كتب قاعدة؟ أم العالِم الذي طلب الوصول إلى هدف صعب؟
هذه ليست فلسفة مجردة. مهمات مثل إعادة العينات من المريخ ستعتمد على تسلسل قرارات متشابكة بين مركبات متعددة، وبعضها سيتخذ قرارات الالتقاء والانفصال في الفضاء دون تدخل فوري. تصميم «من يقرر ماذا» هو جزء من التصميم الهندسي، لا ملحقاً له.
ما القادم: أسراب بدل روبوت واحد
الاتجاه الواضح في السنوات القادمة هو التعدد. بدل عربة واحدة كبيرة، تعمل مجموعات من روبوتات صغيرة متعاونة: بعضها يحمل أجهزة، وبعضها يحمل طاقة، وبعضها يستكشف الكهوف أو الحفر التي لا تستطيع العربة الكبيرة دخولها. التحدي هنا ليس الذكاء الفردي بل التنسيق: من يقرر توزيع المهام؟ وكيف تُتخذ القرارات حين ينقطع الاتصال بين الأفراد؟
وهناك اتجاه ثانٍ: معالجة البيانات في المكان بدل إرسالها. إرسال صورة من المريخ يستهلك وقتاً وطاقة، وإرسال استنتاج عنها أرخص بكثير. كلما تحسّن الذكاء على المتن، صار بوسع المهمات أن تعمل بموارد أقل وتغطي مساحة أوسع.
ما لا يتغير هو القاعدة الأساسية: الروبوت ليس بديلاً عن العالِم، بل امتداد لحواسه. كل قرار يتخذه في مكان بعيد هو قرار اتخذه فريق بشري قبله، حين قرر ما يستحق أن يُبحث عنه.
الاختبار على الأرض قبل المريخ
كل خوارزمية تُستخدم في الفضاء تُختبر أولاً في صحارٍ وحقول بركانية على الأرض، حيث تُحاكى التضاريس المريخية والصخور والحفر. فرق مختبر الدفع النفاث تستخدم «توأماً رقمياً» للعربة، ومحاكياً لانقطاع الاتصال، وتعيد سيناريوهات الفشل مرات كثيرة قبل الإطلاق.
الهدف ليس إثبات أن النظام يعمل، بل معرفة كيف يفشل. في الفضاء، الفشل المتوقع أفضل من النجاح المفاجئ، لأن الأول يمكن تصميم خطة بديلة له.
ما بعد الملاحة: الاستقلال في الفضاء العميق
على مسافات أكبر من المريخ، تصبح الاستقلالية ضرورة لا رفاهية. المركبة التي تدور حول المشتري تعمل في بيئة إشعاع قاتل، ولا يمكن لمهندس على الأرض أن يصحّح خطأً في المناورة بعد حدوثه. لهذا تُبنى الأنظمة بحيث تراقب موقعها بالنجوم وتصحّح مسارها بنفسها.
وهناك مهمة أخرى للذكاء الاصطناعي: ملاحظة الأحداث العابرة. ظواهر مثل انفجار نجم أو مرور كويكب أمام جسم آخر تستمر دقائق، ولا وقت لإبلاغ الأرض وانتظار ردّ. النظام الذي يكتشف الحدث ويقرر تصويره في اللحظة يمثل تحولاً في نوع العلم الذي يمكن جمعه: من الرصد المخطط إلى الرصد التفاعلي.
لماذا لا توجد «سحابة» في الفضاء؟
على الأرض، يمكن إرسال البيانات إلى خادم بعيد ومعالجتها هناك. في الفضاء لا يوجد هذا الخيار: النطاق الترددي محدود، والتأخير كبير، والطاقة غالية. لذلك تُعالج الصور والقياسات داخل المركبة، ويُرسل الاستنتاج بدل البيانات الخام.
هذا التصميم يقلّل الحجم المنقول بمئات المرات، لكنه يخلق مشكلة أخرى: إن كان الاستنتاج خاطئاً، فقد ضاعت المعلومة الأصلية. لهذا تُحفظ البيانات الخام في الذاكرة لأطول فترة ممكنة، وتُرسل على دفعات حين تسمح الظروف.
اقرأ المزيد في قسم الفضاء واستكشاف الكون على موقع الفلك.
اترك تعليقاً