معادلات أينشتاين للنسبية العامة من أكثر المعادلات إثارة للدهشة في تاريخ العلم: إذا كتبتها بشكل صحيح، تستطيع أن تُخرج منها أكواناً كاملة. بعض هذه الحلول يصف ما نراه فعلاً، مثل انحناء الضوء حول الشمس. وبعضها يصف أشياء لم يرها أحد، لكن المعادلات لا تمنعها.
الثقب الدودي من النوع الثاني. لا يوجد دليل رصدي واحد على وجوده، ولا نظرية كاملة تفسّره، ومع ذلك يبقى موضوعاً جدياً في الفيزياء النظرية، لا في أفلام الخيال العلمي فقط.
ما هو الثقب الدودي تحديداً؟
الفكرة الأساسية بسيطة هندسياً: بدل أن تنتقل من نقطة إلى أخرى عبر السطح، تحفر نفقاً يربط بينهما. في الزمكان المنحني، يمكن أن يوجد ما يشبه «عنق» يقصّر المسافة بين منطقتين بعيدتين، بحيث تصبح الرحلة عبره أقصر من الطريق العادي.
هذا ليس اختصاراً للمسافة في الفضاء فقط، بل يمكن أن يكون اختصاراً في الزمن أيضاً، وهذا ما يفتح باباً كاملاً من المفارقات: إن استطعت العودة إلى الماضي، فهل تستطيع منع جدك من لقاء جدتك؟
أينشتاين وروزن: الجسر الأول
في 1935، نشر ألبرت أينشتاين وناثان روزن ورقة تصف حلاً لمعادلات النسبية يربط بين منطقتين من الزمكان، وعُرف لاحقاً بـ«جسر أينشتاين-روزن». لكن الوصف الرياضي كان يصف جسراً لا يمكن عبوره: أي شيء يدخله ينتهي في تفرد مركزي، ولا يخرج من الجهة الأخرى.
الفرق بين «جسر» و«نفق صالح للمرور» هو كل شيء في هذا الموضوع. الحل الذي وصفه الاثنان رياضياً سليم، لكنه فيزيائياً ميت.
لماذا تحتاج الثقوب الدودية إلى «مادة غريبة»؟
في 1988، درس الفيزيائيان مايكل موريس وكيب ثورن إمكانية بناء ثقب دودي قابل للعبور، فوجدا شرطاً لا مفر منه: أن تكون كثافة الطاقة في عنق النفق سالبة. أي مادة عادية، مهما كانت غريبة، لها كتلة موجبة وتجذب، وهذا الجذب يُغلق النفق فوراً.
المادة ذات كثافة الطاقة السالبة تُسمى «مادة غريبة»، وهي ليست خيالاً كاملاً: تأثير كازيمير في ميكانيكا الكم يُنتج كثافة طاقة سالبة صغيرة بين لوحين معدنيين متقاربين، وقد قيست مخبرياً. المشكلة أن الكمية المطلوبة لفتح نفق يسمح بمرور جسم بحجم إنسان تتجاوز كل ما يمكن إنتاجه بمراتب هائلة.
العقبة الأكبر: الاستقرار
حتى لو تمكنّا من توفير المادة الغريبة، يبقى سؤال الاستقرار. الحسابات تشير إلى أن الثقوب الدودية القابلة للعبور غير مستقرة: أي اضطراب صغير، حتى فوتون واحد يعبر النفق، قد يسبب انهياره. وهناك أيضاً مشكلة تراكم الطاقة: الموجات الكهرومغناطيسية التي تعبر النفق تتراكم عند العنق حتى تُدمّره.
في فيزياء الكم، تُضاف مشكلة أخرى: الجسيمات الافتراضية التي تظهر وتختفي باستمرار قد تُنتج ضغطاً يغلق النفق قبل أن يعبره أي شيء. هذه ليست عيوباً صغيرة، بل أسباب تجعل كثيراً من الفيزيائيين يعتبرون الثقوب الدودية نتيجة رياضية بلا مقابل فيزيائي.
ER=EPR: الفكرة التي أعادت الموضوع إلى الواجهة
في 2013، طرح خوان مالداسينا وليونارد ساسكيند فكرة جرت العادة على وصفها بمعادلة واحدة: ER=EPR. الفكرة تربط بين جسور أينشتاين-روزن (ER) وتشابك الجسيمات الكمي (EPR، نسبة إلى ورقة أينشتاين-بودولسكي-روزن).
المعنى المختصر: كل زوج من الجسيمات المتشابكة قد يكون مرتبطاً بثقب دودي مجهري، لا يمكن عبوره، لكنه موجود. إن صحّت هذه الفكرة، فإن الثقوب الدودية ليست نادرة ولا بعيدة: هي موجودة في كل ذرة من الكون، لكن بحجم أصغر من أي شيء يمكن استخدامه للسفر.
هذه الفكرة لم تُثبت، وهي جزء من محاولات توحيد الجاذبية مع ميكانيكا الكم، لكنها تعني أن الثقب الدودي لم يعد موضوعاً هامشياً في الفيزياء النظرية.
الخيال العلمي مقابل الفيزياء
في فيلم «إنترستيلار»، يُستخدم ثقب دودي قريب من زحل للسفر إلى مجرة أخرى. الفيلم تعامل مع الصورة بجدية نسبية، واستعان بفيزيائي معروف، لكنه تجاهل حقيقة أساسية: الثقب الدودي الذي يسمح بمرور مركبة يحتاج مادة غريبة بكميات لا يمكن تصورها، وثباتاً لا تسمح به المعادلات.
هذا لا يعني أن الفيلم «خاطئ» كعمل فني، بل يعني أن المسافة بين «لا يمنعه القانون الفيزيائي» و«يمكن بناؤه» هائلة. النسبية لا تمنع السفر عبر الزمن، لكنها أيضاً لا تقدم أي طريقة لتحقيقه.
كيف نتحقق؟
لا توجد حالياً طريقة مباشرة. الثقب الدودي لا يُصدر ضوءاً، ولا يمتصّه بطريقة مميزة، ولا يترك أثراً واضحاً في الصور. الأمل الوحيد في التحقق هو عبر آثاره على الضوء المارّ بالقرب منه: عدسة جاذبية غير عادية، أو تشوّه في مسار النجوم الخلفية لا يتوافق مع كتلة مرئية.
بعض الفرق البحثية تبحث في بيانات التلسكوبات عن نمط كهذا، لكن أي اكتشاف سيحتاج تأكيداً مستقلاً، وسيكون أحد أكبر الأخبار في تاريخ الفيزياء. حتى الآن، لا شيء.
لماذا نستمر في البحث؟
لأن دراسة الثقوب الدودية ليست بحثاً عن وسيلة سفر، بل اختبار لحدود النظرية. السؤال الحقيقي: هل النسبية العامة وصف كامل للزمكان، أم أنها تقريب ناقص ينكسر عند الحدود القصوى؟ الثقوب الدودية والتفردات وأفق الحدث كلها نقاط ينكسر فيها الوصف، ولهذا يدرسها الفيزيائيون.
وفي النهاية، ربما تكون الإجابة الأكثر إثارة أن الثقوب الدودية مستحيلة. هذا أيضاً نتيجة علمية: إن أثبتنا استحالتها، نكون قد فهمنا شيئاً أعمق عن بنية الزمكان، أكثر مما لو ظللنا نتخيلها بلا دليل.
ثقوب دودية مجهرية
عند مقياس طول بلانك، وهو أصغر طول له معنى فيزيائي، يفترض بعض الفيزيائيين أن الزمكان يغلي في «رغوة كمومية» تظهر فيها ثقوب دودية وتختفي في أجزاء ضئيلة من الثانية. هذه الثقوب لا تصلح للسفر، لكنها قد تكون أساساً لفهم كيف تتصل مناطق الزمكان ببعضها.
بعض النظريات تقترح أن الثقوب الدودية المجهرية قد تكون مستمرة عبر الزمن، وأن التشابك الكمي بين الجسيمات هو تعبير آخر عن هذه الجسور. إن صحّ ذلك، فالثقوب الدودية ليست استثناءً بل جزء من نسيج الواقع.
الثمن: مفارقات الزمن
إن أمكن استخدام ثقب دودي للسفر، فيمكن نظرياً تحويله إلى آلة زمن: تسريع أحد طرفيه بسرعة عالية يجعله يشيخ أبطأ، فيصبح الطرفان في زمنين مختلفين. عبور النفق يصبح انتقالاً إلى الماضي.
هذا يفتح مفارقات سببية معروفة: ماذا لو منعت نفسك من بناء الآلة؟ الفيزيائيون يبحثون عن مبدأ يمنع هذه الحلقات، وأحد المرشحين هو «فرضية الحماية الزمنية» التي تقول إن قوانين الفيزياء تمنع تكوين حلقات مغلقة، ولو بطريقة لم نفهمها بعد.
هل هناك بدائل نظرية؟
نعم. بعض النماذج تقترح «ثقوب دودية» لا تحتاج مادة غريبة، لكنها تعتمد على تعديلات في الجاذبية نفسها، مثل نظريات الجاذبية المعدّلة أو النماذج التي تعطي الجاذبية كتلة.
هذه النماذج أقل شهرة، لأنها تتناقض مع اختبارات دقيقة للنسبية العامة. لكنها تُظهر أن الثقب الدودي ليس فكرة واحدة، بل عائلة من الحلول تعتمد على الفيزياء المفترضة.
ماذا يقول الرصد؟
لا شيء حتى الآن. المرشحون المحتملون يُبحث عنهم في انحرافات العدسية الجاذبية، أو في صور غير عادية حول مراكز المجرات.
والحقيقة أن أغلب الفلكيين لا يبحثون عنها أصلاً، لأن احتمال وجودها ضئيل جداً. هذا ليس إهمالاً، بل توزيع منطقي للموارد على أسئلة قابلة للاختبار.
اقرأ المزيد في قسم الكون والفيزياء الفلكية على موقع الفلك.
اترك تعليقاً