>
الرئيسية الكون والفيزياء الفلكية كيف تقاس المسافات الكونية؟ السلم القياسي من التوازي إلى شمعات السفييد
الكون والفيزياء الفلكية

كيف تقاس المسافات الكونية؟ السلم القياسي من التوازي إلى شمعات السفييد

مشاركة
نجم قيفاوي متغير
نجم قيفاوي متغير يضيء ويخبو بانتظام (ناسا/إيسا)
مشاركة
إعلان / Advertisement

📢 مساحة إعلانية ذكية (تظهر بعد 3 ثوانٍ من فتح المقال)
[جاهز لربط شفرة Google AdSense الحقيقية على الموقع]

كيف تعرف أن نجماً يبعد ألف سنة ضوئية وليس مليوناً؟ لا يمكنك أن تمدّ شريط قياس إلى الفضاء. المسافة في علم الفلك تُستنتج بالاستدلال، من خصائص يمكن قياسها، عبر سلسلة من الخطوات يُسمّى كل منها «درجة».

هذه السلسلة هي إحدى أذكى البنى في تاريخ العلم: كل درجة تعتمد على سابقتها، وتُعايرها، حتى تمتد من جوار الشمس إلى أطراف الكون المرئي.

الدرجة الأولى: التوازي

أقرب طريقة للمسافات القريبة تعتمد على ظاهرة يومية: عندما تغلق عيناً ثم الأخرى، يبدو الجسم القريب وكأنه تحرك أمام الخلفية. كلما كان الجسم أقرب، زادت الحركة الظاهرة.

في الفلك، نستخدم موقع الأرض حول الشمس بعد ستة أشهر كـ«عينين» متباعدتين. الزاوية الظاهرة للنجم تسمى «التوازي»، ومنها تُحسب المسافة. هذه الطريقة تعمل حتى مسافة نحو ألف سنة ضوئية.

الدرجة الثانية: المسطرة القياسية للنجوم

أبعد من ذلك، لا تكفي زاوية التوازي، فتأتي فئة من النجوم تُسمى «المتغيرات القيفاوية». هذه النجوم تنبض بانتظام، ولها علاقة دقيقة بين مدة النبض وسطوعها الحقيقي: كلما طالت المدة، زاد السطوع.

هذه العلاقة اكتشفتها هنريتا سوان ليفيت سنة 1912، وهي من أهم الاكتشافات في تاريخ الفلك. بمعرفة السطوع الحقيقي نقارنه بالسطوع الظاهر، فنحصل على المسافة. هكذا قاس هوبر مسافات المجرات، واكتشف توسّع الكون.

الدرجة الثالثة: المستعرات العظمى

القيفاويات تُرى حتى مسافات محدودة. للأبعد، نستخدم انفجارات نجمية أكثر سطوعاً: المستعرات العظمى من النوع الأول، الناتجة عن انفجار قزم أبيض.

سطوعها متقارب جداً، فيمكن استخدامها كشمعة قياسية حتى مسافات مليارات السنين الضوئية. وبها اكتُشف سنة 1998 أن توسّع الكون يتسارع، وهي نتيجة أثارت فكرة الطاقة المظلمة وأدت إلى جائزة نوبل.

لماذا نحتاج سلسلة، لا طريقة واحدة؟

لأن كل طريقة لها نطاق. التوازي دقيق لكنه محدود المسافة. القيفاويات تعمل على مسافات أوسع لكنها تحتاج معايرة. المستعرات تعمل بعيداً لكنها تحتاج افتراضات عن تكوينها.

الخطورة أن خطأً في معايرة درجة واحدة ينتقل إلى كل الدرجات الأعلى. لهذا يخضع كل مستوى لاختبارات مستقلة، وتُقارن النتائج بطرق مختلفة.

الخلاف القائم

ومن هنا جاءت مشكلة «توتر هابل»: قياسات محلية مبنية على القيفاويات والمستعرات تعطي معدل توسّع أعلى قليلاً من القيمة المستخرجة من إشعاع الخلفية الميكروية، الذي يعتمد على نموذج الكون المبكر.

الفارق صغير (بحدود 8 بالمئة) لكنه ثابت، ولا يزول بتحسين الأدوات. إما أن هناك خطأً في إحدى الطريقتين لم نكتشفه، أو أن هناك فيزياء جديدة في الكون المبكر.

طرق مستقلة

لمعالجة ذلك، يبحث astronomers عن «مساطر» مستقلة: عدسية الجاذبية القوية (تأخير زمني في صور مجرة)، والموجات الجاذبية (تعطي مسافة مباشرة)، وقياس أبعاد التذبذبات الصوتية الباريونية.

كل طريقة تعتمد على فيزياء مختلفة، وهذا يجعلها اختباراً حقيقياً. إن اتفقت كل الطرق على قيمة واحدة، فالخلاف في مكان آخر. وإن اختلفت، فهذا يعني مشكلة أعمق.

ماذا تعني المسافات لغير المتخصص؟

كل شيء في علم الفلك يعتمد عليها: سطوع المجرات، وعمر الكون، وحجم الأجسام، ومعدل تشكل النجوم. بدون مسافات دقيقة، لا يمكن بناء أي صورة للكون.

ولو كانت المسافات خاطئة بالكامل، لكان علم الفلك كله مجموعة من الأرقام بلا معنى. لهذا يُقاس التقدم في هذا المجال بأدوات تحسين المسافات، لا بأكبر التلسكوبات فقط.

الدرس

علم الفلك لا يقيس المسافة بمسطرة، بل بسلاسل استدلال. كل حلقة تعتمد على فيزياء معروفة، وكل حلقة تُختبر بقدر ما تستطيع. هذا ليس ضعفاً، بل قوة: كلما تحسنت المعايرة، تحسنت الصورة كلها.

وأجمل ما في الأمر أن السلسلة بدأت بظاهرة بسيطة يمكنك تجربتها الآن: أغلق عيناً وافتح الأخرى، وسترى أن أقرب الأشياء تتحرك أكثر. من هذه الحركة الصغيرة إلى حدود الكون المرئي، نفس المنطق.

لماذا لا نقيس الانزياح الأحمر فقط؟

قد يبدو أن الانزياح الأحمر يكفي: كلما ابتعدت المجرة، زاد انزياحها. لكن العلاقة بين الانزياح والمسافة تعتمد على تاريخ توسّع الكون، وهو ما نحاول قياسه أصلاً. الاعتماد عليه وحده يعني الدوران في حلقة مغلقة.

لهذا تُستخدم «المساطر» المستقلة لمعايرة الانزياح، ثم يصبح الانزياح نفسه أداة للمسافات البعيدة جداً، حيث لا تصل أي شمعة قياسية.

كيف تُعاير الشموع القياسية؟

الشمعة القياسية تكون بلا فائدة إن لم نعرف سطوعها الحقيقي. لذلك تُعاير في نطاق قريب، حيث يمكن قياس المسافة بطريقة مستقلة (كالتوازي)، ثم تمتد المعايرة إلى مسافات أبعد.

هذه المعايرة تُكرر بأدوات وتقنيات مختلفة، وأي خلاف بينها يتراكم في النتائج النهائية. لذلك يُنظر إلى اختلاف القياسات الحالية بعين الجد: قد يكون أصله في خطوة صغيرة من السلم.

ما أبعد مسافة قيست؟

حدود القياس الحالية تصل إلى المجرات البعيدة التي يُرصد فيها ضوء المستعرات العظمى، على مسافات تقارب مليارات السنين الضوئية. وبعد ذلك، نستخدم الانزياح الأحمر مع نموذج كوني معاير.

هذا يعني أن «أبعد» المسافات ليست قياساً مباشراً، بل استنتاجاً يعتمد على النموذج. ولهذا فإن أي تعديل في النموذج يغيّر كل المسافات البعيدة دفعة واحدة.

لماذا تهم الدقة؟

لأن كل ما نعرفه عن الكون يعتمد عليها: عمره، ومعدل توسعه، وتاريخ تشكل المجرات. حتى خطأ بنسبة بسيطة في السلم يترجم إلى اختلاف كبير في الاستنتاجات.

وهذا سبب الاستثمار الكبير في مراصد مخصصة لقياس المسافات بدقة، بدل الاعتماد على تقديرات تقريبية.

لماذا سميت «شمعة قياسية»؟

لأنها تعمل كمصباح نعرف قدرته الحقيقية: إذا بدا خافتاً، فهو بعيد. المشكلة أن الأجسام التي نستخدمها ليست متطابقة تماماً، ولهذا نستخدم مجموعات كبيرة ونأخذ متوسطات.

وكلما تحسنت المعايرة، صار بإمكاننا استخدام الشموع على مسافات أبعد. هذه العملية التراكمية هي جوهر تقدم علم المسافات.

ما دور التلسكوبات الحديثة؟

التلسكوبات الكبيرة تحسن دقة القياس لكل درجة: قياس التوازي بدقة أعلى، وتحديد القيفاويات في مجرات أبعد، ورصد المستعرات البعيدة.

ومهمات فضائية مثل «غايا» رفعت الدقة إلى مستوى غير مسبوق لمئات الملايين من النجوم، وهذا يسمح بمعايرة أدق لكل السلم، ويقلّص الشك في القيم النهائية.

اقرأ المزيد في قسم الكون والفيزياء الفلكية على موقع الفلك.

مشاركة
كتبه
فريق التحرير

فريق تحرير موقع الفلك: مقالات عربية مبسّطة في علم الفلك وعلوم الفضاء.

اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *