>
الرئيسية الكون والفيزياء الفلكية ظاهرة الأقزام البيضاء والأقزام البنية: عندما تفشل النجوم في الاشتعال
الكون والفيزياء الفلكية

ظاهرة الأقزام البيضاء والأقزام البنية: عندما تفشل النجوم في الاشتعال

مشاركة
قزم بني في الفضاء
تصوّر فني لقزم بني بارد (ناسا)
مشاركة
إعلان / Advertisement

📢 مساحة إعلانية ذكية (تظهر بعد 3 ثوانٍ من فتح المقال)
[جاهز لربط شفرة Google AdSense الحقيقية على الموقع]

ليس كل جسم في السماء نجح في أن يكون نجماً. بعضها بدأ الانهيار، ووصل إلى حرارة عالية، لكنه لم يصل أبداً إلى العتبة التي يبدأ عندها الاندماج النووي. وبعضها كان نجماً كاملاً، ثم استنفد وقوده، فانطفأ وترك قلباً كثيفاً يتوهج بالحرارة المتبقية فقط.

هذان النوعان، الأقزام البنية والأقزام البيضاء، يبدوان متشابهين في الاسم، لكنهما مختلفان تماماً في الأصل والمصير.

الشروط: متى يشتعل النجم؟

لكي يبدأ الاندماج النووي، يحتاج القلب إلى حرارة تقارب عشرة ملايين درجة، وهذه الحرارة تأتي من ضغط الجاذبية. الضغط يعتمد على الكتلة، فإذا كانت الكتلة أقل من حد معين، لا يكفي الضغط في المركز لإشعال الهيدروجين.

هذا الحد يبلغ نحو 8 بالمئة من كتلة الشمس، أي ما يعادل 80 كتلة المشتري. تحت هذا الحد، لا نجم.

الأقزام البنية: نجوم فاشلة

الجسم الذي يتراوح بين 13 و80 كتلة مشترية يُسمى «قزماً بنياً». هذه الأجسام تتشكل بطريقة تشبه النجوم، من انهيار سحابة غاز، لكنها لا تصل إلى اندماج الهيدروجين المستقر.

في بعض الحالات، تستطيع هذه الأجسام دمج الديوتيريوم (نظير الهيدروجين) لفترة قصيرة، فيتوهج قليلاً ثم يخبو. وبعضها، إن كان قريباً من الحد الأعلى، يستطيع دمج الليثيوم أيضاً.

المفارقة أن الأقزام البنية تبدأ حياتها ساخنة، ثم تبرد تدريجياً على مدى مليارات السنين. لذلك قد تبدو شابة عند رصدها، مع أنها قديمة، وهذا ما يجعل تصنيفها صعباً.

كيف نراها أصلاً؟

الأقزام البنية خافتة جداً في الضوء المرئي، لكنها تُصدر معظم طاقتها في الأشعة تحت الحمراء. لذلك تُرصد بمسوحات الأشعة تحت الحمراء، وقد اكتُشف الآلاف منها في العقدين الماضيين.

بعضها يوجد كرفيق لنجم، وبعضها حرّ في الفضاء. وأبردها تصل حرارته إلى درجة حرارة الغرفة تقريباً، وهذا يعني أنها تشع في نطاق تحت أحمر عميق، وأنها تُصنّف أحياناً ضمن «الأجسام الكوكبية» أكثر من النجوم.

في 2023، رُصد قزم بني بمظهر يشبه كوكباً، وأثار جدلاً حول الحد الفاصل بين الكوكب والنجم: هل هو الكتلة، أم طريقة التكوين؟

الأقزام البيضاء: نهاية النجوم المتوسطة

هنا القصة مختلفة. الشمس نفسها ستنتهي بهذه الطريقة: بعد أن ينفد الهيدروجين، تتضخم إلى عملاق أحمر، ثم تقذف طبقاتها الخارجية في سديم كوكبي، ويبقى القلب كثيفاً: قزم أبيض.

القزم الأبيض جسم بحجم الأرض تقريباً، وكتلة قريبة من كتلة الشمس. أي أن كثافته هائلة: ملعقة صغيرة من مادته تزن أطناناً. مادته «غاز متحلل»: نوى وإلكترونات مضغوطة، لا اندماج فيها.

لا ينتج القزم الأبيض طاقة، بل يشع حرارته المتبقية ببطء. هذه الحرارة تكفيه ليتوهج بملايين السنين، ثم يبرد تدريجياً حتى يصبح «قزماً أسود»، وهو جسم نظري لم يُرصد بعد.

حد تشاندراسيخار

في 1930، حسب الفيزيائي الشاب سوبرامانيان تشاندراسيخار أن القزم الأبيض لا يمكن أن تتجاوز كتلته حداً يبلغ نحو 1.4 كتلة شمسية. فوق هذا الحد، لا يستطيع ضغط الإلكترونات مقاومة الجاذبية، فينهار الجسم.

هذا الحد هو ما يجعل المستعرات العظمى من النوع الأول ممكنة: قزم أبيض في نظام ثنائي يسحب مادة من رفيقه حتى يتجاوز الحد، فينفجر بالكامل. كما أنه يحدد متى يتحول الانهيار إلى نجم نيوتروني أو ثقب أسود.

وقصته الشخصية مؤثرة: رُفضت فكرته في البداية، ثم أُثبتت لاحقاً، وحصل على جائزة نوبل سنة 1983.

مختبرات فيزيائية

الأقزام البيضاء مهمة لعلم الفلك لأنها «مساطر» قياس. عندما ينفجر قزم أبيض، يكون سطوع الانفجار متقارباً من نظام لآخر، فيُستخدم لقياس المسافات البعيدة. بهذه الطريقة اكتُشف تسارع توسّع الكون.

وهي أيضاً مختبرات لفيزياء المادة الكثيفة: ندرس فيها سلوك المادة في ظروف لا يمكن إنتاجها في أي مختبر أرضي، ونختبر نظريات الجاذبية في مجال قوي.

ما الفرق العملي بينهما؟

القزم البني لم يشتعل أبداً؛ القزم الأبيض اشتعل ثم توقف. الأول لم يكن نجماً، والثاني كان نجماً ثم انتهى. الأول لم يبدأ، والثاني انتهى.

وهذا الفرق يحدد مصيرهما: القزم البني يبرد ببطء ويبقى كما هو تقريباً، أما القزم الأبيض فقد ينفجر إن وجد رفيقاً يسحب منه المادة.

لماذا نهتم؟

لأن النجوم المتوسطة، مثل الشمس، هي الأكثر شيوعاً، ونهايتها تحدد مصير الكواكب حولها. ولأن الأقزام البنية تخبرنا عن حد فشل تشكل النجوم، وهو حد أساسي لفهم عدد النجوم في المجرة.

ولأن بعض هذه الأجسام قد تستضيف كواكب. اكتُشفت كواكب حول أقزام بيضاء، وكواكب حول أقزام بنية، وهذه العوالم قد تكون من بقايا أنظمة سابقة، أو أنظمة جديدة تتشكل في ظروف غريبة.

كيف نعرف كتلة قزم أبيض؟

لا يمكن وزن نجم مباشرة. لكن إذا كان القزم الأبيض في نظام ثنائي، فإن جاذبيته تؤثر على رفيقه: المدار يتذبذب، وسرعة التذبذب تعطي الكتلة. وبعض الأقزام البيضاء لها رفيق نابض، وتوقيت النبضات يعطي قياساً دقيقاً جداً.

هذه القياسات أكدت حد تشاندراسيخار عملياً، وأصبحت أداة لقياس كتل النجوم وتطورها. وهي أيضاً اختبار لعلم الفلك نفسه: إذا وُجد قزم أبيض يتجاوز الحد، فإما القياس خاطئ أو النظرية ناقصة.

هل يمكن أن تكون حولها كواكب؟

نعم، وقد اكتُشفت فعلاً. الكواكب حول الأقزام البيضاء تكون بقايا أنظمة دُمّرت عندما تضخم النجم إلى عملاق أحمر. بقاءها يعطينا فرصة نادرة لدراسة تركيب كواكب خارجية: الحطام المتساقط على القزم الأبيض يحمل بصمة كيميائية لما كان الكوكب مصنوعاً منه.

وهذا مجال واعد للبحث عن آثار حياة سابقة: لو كان لكوكب غلاف حيوي ثم دُمّر، فقد تبقى آثار كيميائية في الحطام.

ما الفرق بين قزم بني وكوكب عملاق؟

الحد الفاصل ليس في الكتلة دائماً. القزم البني يتشكل من انهيار سحابة غاز، كما يتشكل النجم، بينما الكوكب العملاق يتشكل في قرص حول نجم أو قزم بني، من تراكم صلب ثم غاز.

ولهذا فإن جسماً بكتلة المشتري قد يُصنّف كوكباً أو «قزماً بنياً صغيراً» بحسب طريقة تكوينه، وهذا يمثل مشكلة تصنيفية حقيقية في علم الكواكب والنجوم معاً.

هل يمكن أن تنفجر الأقزام البنية؟

لا، لأنها لا تصل إلى الظروف اللازمة للاندماج المستقر. لكنها قد تندمج مع قزم بني آخر إن كانا في نظام ثنائي قريب، وتنتج جسماً أكبر قد يشتعل لاحقاً.

هذه الاندماجات نادرة، لكنها قد تفسر وجود بعض الأجسام التي تبدو «بين بين»: لا نجوم ولا كواكب بالمعنى الواضح.

ماذا يحدث للكواكب حولها؟

الكواكب حول قزم بني تتلقى حرارة قليلة جداً، لكنها قد تحتفظ بغلاف جوي سميك يحتفظ بالحرارة. وفي حالة الأقزام البيضاء، قد تتعرض الكواكب لمرحلة عملاق أحمر مدمرة قبل أن تبرد.

هذه العوالم ليست مرشحة قوية للحياة، لكنها مختبرات لفهم كيف تتطور الأنظمة الكوكبية في ظروف قصوى.

اقرأ المزيد في قسم الكون والفيزياء الفلكية على موقع الفلك.

مشاركة
كتبه
فريق التحرير

فريق تحرير موقع الفلك: مقالات عربية مبسّطة في علم الفلك وعلوم الفضاء.

اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *