>
الرئيسية الكون والفيزياء الفلكية النجوم النيوترونية والنابضات (Pulsars): أغرب الأجسام المادية في الفيزياء
الكون والفيزياء الفلكية

النجوم النيوترونية والنابضات (Pulsars): أغرب الأجسام المادية في الفيزياء

مشاركة
أنواع النجوم النيوترونية
تصوّر فني لأنواع مختلفة من النجوم النيوترونية (ناسا)
مشاركة
إعلان / Advertisement

📢 مساحة إعلانية ذكية (تظهر بعد 3 ثوانٍ من فتح المقال)
[جاهز لربط شفرة Google AdSense الحقيقية على الموقع]

لو أخذت ملعقة صغيرة من مادة نجم نيوتروني ووضعتها على الأرض، لكان وزنها مليارات الأطنان. ولن تبقى ملعقة: الجاذبية ستسحق كل ما حولها في لحظة. هذه ليست مبالغة، بل نتيجة حسابية مباشرة لكثافة تبلغ مئات الملايين من الأطنان في السنتيمتر المكعب.

النجوم النيوترونية أغرب أجسام مادية نعرفها: كتلتها أكبر من كتلة الشمس، وقطرها لا يتجاوز عشرين كيلومتراً، ومادتها في حالة لا توجد على الأرض، ومجالها المغناطيسي أقوى بمليارات المرات من أي مجال صناعي. ومع ذلك، نستطيع قياسها بدقة مذهلة.

كيف يُصنع هذا الجسم؟

تبدأ الحكاية بنجم كتلته ثمانية أمثال كتلة الشمس على الأقل. بعد ملايين السنين من الاندماج، يتراكم الحديد في قلبه، فيتوقف إنتاج الطاقة، وينهار القلب في أقل من ثانية. الإلكترونات والبروتونات تتحد لتكوين نيوترونات، والجسم ينكمش من حجم الشمس إلى حجم مدينة صغيرة.

ما يوقف الانهيار هو ضغط «تحلل النيوترونات»، وهو مبدأ كمي يمنع الجسيمات من الانضغاط أكثر. إن كانت الكتلة المتبقية كبيرة جداً، لا يكفي هذا الضغط، ويتحول الجسم إلى ثقب أسود.

أرقام تفوق الخيال

نجم نيوتروني نموذجي: كتلة 1.4 كتلة شمسية، ونصف قطر 12 كيلومتراً. الكثافة في المركز قد تبلغ عدة أضعاف كثافة النواة الذرية. جاذبيته السطحية أقوى من جاذبية الأرض بمئة مليار مرة، وسرعة الإفلات منه تقارب نصف سرعة الضوء.

مجاله المغناطيسي يتراوح بين مئة مليون وتسعمئة تريليون غاوس. للأرض مجال يقارب نصف غاوس. لو وُضع نجم نيوتروني في مكان القمر، لمحا مجاله المغناطيسي أجهزة القياس على الأرض.

ودورانه مذهل: بعضها يكمل دورة كاملة في 1.4 مللي ثانية، أي 716 دورة في الثانية. هذا الدوران ليس مجرد رقم، بل هو ما يجعلها مراصد طبيعية.

النابض: منارة في السماء

في 1967، رصدت طالبة الدراسات العليا جوسلين بيل إشارات راديوية منتظمة بدقة مذهلة، تفصلها 1.337 ثانية. دقتها كانت أعلى من أي شيء طبيعي معروف، فسُميت في البداية «إل جي إم» اختصاراً لـ«رجال أخضر صغار»، كنوع من المزاح العلمي.

التفسير الحقيقي، الذي اقترحه فريقها بقيادة أنتوني هيويش، كان أبسط وأغرب: النجم النيوتروني يدور، وينبعث إشعاع من قطبيه المغناطيسيين. حين يعبر الشعاع مجال رؤيتنا، نرى نبضة. إنه منارة كونية.

دقة هذه النبضات جعلت من النابضات أفضل ساعات في الكون. بعضها يتفوق على الساعات الذرية في الاستقرار على مدى سنوات، وهذا ما يسمح باستخدامها لقياس ظواهر دقيقة جداً.

أنواع متعددة، لا نوع واحد

ليست كل النجوم النيوترونية متشابهة. «النابضات الدورية» تعتمد على طاقة دورانها، وتتباطأ تدريجياً مع الزمن. «النابضات الميلي ثانية» تدور بسرعة مذهلة، وتكتسب سرعتها من سحب مادة من نجم رفيق، وهي الأكثر استقراراً في التوقيت.

وهناك «المغنتارات»: نجوم نيوترونية بمجالات مغناطيسية أقوى بألف مرة من المعتاد. هذه الأجسام تُنتج انفجارات هائلة في الأشعة السينية وغاما، وقد رُصد أحدها سنة 2004 يضيء الغلاف الجوي للأرض من مسافة عشرين ألف سنة ضوئية.

وهناك أيضاً نجوم نيوترونية ثنائية، حيث يدور نجمان حول بعضهما، أو نجم نيوتروني مع نجم عادي يسحب منه الغاز. كل نوع يفتح باباً مختلفاً للفيزياء.

مختبرات للجاذبية

النابض الثنائي «بي إس آر بي 1913+16»، الذي رصده هولس وتايلور سنة 1974، كان أول اختبار غير مباشر لموجات الجاذبية: مداره يتقلص بمعدل يطابق تماماً ما تتوقعه النسبية العامة من فقدان طاقة على شكل إشعاع جاذبي. هذا العمل أنتج جائزة نوبل.

واليوم تُستخدم النابضات لاختبار النسبية في ظروف لا يمكن محاكاتها: جاذبية قوية، وسرعات عالية، ومجالات مغناطيسية قصوى. حتى الآن، النسبية العامة تصمد في كل اختبار، وهذا بحد ذاته نتيجة مهمة.

ماذا يوجد في الداخل؟

هذا أكبر سؤال مفتوح. نعرف أن المادة في القلب أكثر كثافة من النواة الذرية، لكن لا نعرف شكلها. قد تكون نيوترونات وسوائل فائقة التوصيل، أو قد تتحول إلى «كواركات» حرة، أو تظهر حالات غريبة مثل «هايبرونات».

لحل السؤال، يحتاج الفيزيائيون إلى قياس العلاقة بين الكتلة ونصف القطر بدقة. لهذا تُرسل مهمات مثل «نيكر» لقياس حجم النجوم النيوترونية وتحديد معادلة حالتها. كل قياس يضيّق الخيارات، وربما يفتح باباً لفيزياء جديدة.

هل تصلح للاستخدام؟

هناك فكرة عملية جداً: الملاحة بالنابضات. إذا استطعت قياس زمن وصول نبضات عدة نابضات من موقع في الفضاء، يمكنك تحديد موقعك بدقة كيلومترات دون أي إشارة من الأرض. هذا يشبه نظام تحديد المواقع، لكن بمقاييس بين الكواكب.

وكالة ناسا اختبرت هذه الفكرة في تجربة «سيكستانت» على محطة الفضاء، وأثبتت أنها تعمل. أي مهمة مستقبلية في الفضاء العميق قد تعتمد على منارات نجمية بدل شبكة أرضية.

ما زلنا في البداية

عدد النجوم النيوترونية المعروفة يقارب ثلاثة آلاف، معظمها في مجرتنا. العدد المتوقع أكبر بكثير، لكنها خافتة ويصعب رصدها. التلسكوبات الجديدة، مثل «فاست» الصيني ومصفوفات التداخل الحديثة، تكتشف المزيد باستمرار.

وكل اكتشاف جديد يذكّرنا بأن الكون لا يزال يحتفظ بأجسام تنكسر عندها الحدود التي نعرفها. النجم النيوتروني هو أحد هذه الحدود: جسم بحجم مدينة، ومادة لا توجد على الأرض، ودقة توقيت تفوق ساعتنا. وأغرب ما فيه أنه حقيقي، لا نظرية.

النجوم النيوترونية المغناطيسية القصوى

المغنتارات ليست مجرد نسخة أقوى: هي أجسام تنفجر فجأة في الأشعة السينية، وتُغيّر شكلها، وتبقى هادئة لسنوات. يُعتقد أن سبب انفجاراتها اضطرابات في قشرتها الصلبة، تشبه الزلازل لكن على مقياس كوني.

هذه الانفجارات تسمح باختبار معادلة حالة المادة الكثيفة، لأن الاهتزازات الناتجة تحمل ترددات تعتمد على صلابة القشرة الداخلية.

لماذا تدور بهذه السرعة؟

حفظ الزخم الزاوي: النجم الأصلي كان أكبر بمئات الآلاف من المرات، وعندما انكمش إلى حجم مدينة، تضاعفت سرعة دورانه بنفس النسبة تقريباً. كما يزيد دوران متزلج حين يضم ذراعيه.

بعض النابضات «الميلي ثانية» اكتسبت سرعتها من سحب مادة من نجم رفيق، وهي تدور مئات المرات في الثانية دون أن تتمزق، لأن جاذبيتها الهائلة تمنع ذلك.

هل يمكن أن تنطفئ؟

نعم، ومع الوقت تتباطأ النابضات وتفقد طاقتها، فتصبح هادئة. بعضها «يعود للحياة» إن سحبت مادة من رفيق، وهذا ما يفسر وجود نابضات قديمة سريعة الدوران.

وفي المقابل، بعض النجوم النيوترونية الشابة تُصدر ومضات عشوائية تشبه إشارات الراديو، وتُسمى «انفجارات راديوية سريعة» عند رصدها من مجرات أخرى، وهذا مجال بحث حديث وساخن.

اقرأ المزيد في قسم الكون والفيزياء الفلكية على موقع الفلك.

مشاركة

اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *