في الرابع عشر من سبتمبر 2015، الساعة 09:50:45 بتوقيت غرينتش، مرّ اضطراب خفيف جداً في مرصدين أمريكيين متباعدين بآلاف الكيلومترات، في اللحظة نفسها بفارق سبعة أجزاء من الألف من الثانية. لم يشعر به أحد، ولم يحرّك أي شيء، لكنه كان أول صوت مسموع للكون.
الاضطراب كان موجة جاذبية: تموّج في نسيج الزمكان نفسه، نتج عن اندماج ثقبين أسودين قبل 1.3 مليار سنة. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد علم الفلك يعتمد على الضوء وحده.
ما هي موجة الجاذبية؟
حين تتسارع كتل كبيرة، تُحدث تموجات في الزمكان تنتشر بسرعة الضوء، مثل تموّج سطح الماء حين يُلقى فيه حجر. لكن «الماء» هنا هو المكان والزمان نفسه، والتموّج ليس اضطراباً في مادة بل في هندسة الكون.
المشكلة أن هذه الأمواج ضعيفة للغاية. الشمس، بكتلتها الهائلة، تُصدر موجات جاذبية لا تكفي لتحريك ذرة قابلة للقياس. لهذا احتاج الأمر إلى أحداث عنيفة: اندماج ثقوب سوداء، أو نجوم نيوترونية تتصادم، أو انفجارات هائلة في بداية الكون.
تنبؤ عمره قرن
أينشتاين تنبأ بوجود هذه الأمواج سنة 1916، بعد أشهر من نشر النسبية العامة. لكنه نفسه شكّ في البداية في وجودها الفيزيائي، ثم اقتنع، ثم ظلّت المسألة نظرية لعقود، لأن أحداً لم يتخيل طريقة لقياسها.
الدليل الأول جاء بشكل غير مباشر سنة 1974، حين رصد عالمان نباضاً ثنائياً يفقد طاقة بمعدل يطابق تماماً ما تتوقعه النظرية من إشعاع جاذبي. هذا العمل أنتج جائزة نوبل، لكنه ظلّ «دليلاً غير مباشر»: لم يسمع أحد الموجة نفسها.
كيف يقاس اضطراب أصغر من نواة ذرة؟
مرصد «ليغو» يعتمد على فكرة بسيطة: أنبوبان بطول أربعة كيلومترات، بزاوية قائمة، يمر فيهما شعاع ليزر. الضوء ينعكس من مرايا في النهاية ويعود ليتحد. حين تمر موجة جاذبية، يتغيّر طول أحد الأنبوبين بمقدار ضئيل جداً مقارنة بالآخر، فيتغير نمط التداخل.
مقدار التغيّر الذي يمكن قياسه يبلغ نحو جزء من عشرة آلاف من قطر البروتون. هذا ليس دقة عالية، بل دقة تسمح بقياس اهتزاز الأرض بسبب شاحنة تمر على بعد كيلومترات، ولهذا تُبنى المراصد بعيداً عن الطرق، وتُستخدم أنظمة تعليق معقدة لعزل المرايا.
ما سمعناه في 2015
الإشارة الأولى كانت من اندماج ثقبين أسودين، بكتلة 36 و29 كتلة شمسية. في اللحظة الأخيرة من الاندماج، تحرك الثقبان بسرعة تقارب نصف سرعة الضوء، فأصدرا موجة قوية بما يكفي للوصول إلى الأرض بعد 1.3 مليار سنة.
خلال الاندماج، تحوّلت كتلة تعادل ثلاث شموس إلى طاقة موجات جاذبية في أجزاء من الثانية. هذا هو أعلى تحويل للطاقة عرفناه في الكون، وأول مرة نتحقق من وجود ثقوب سوداء بهذه الكتل.
2017: الضوء والموجة معاً
في 17 أغسطس 2017، حدث شيء لم يحدث من قبل: رصدت مراصد الموجات الجاذبية اندماج نجمين نيوترونيين، وفي الوقت نفسه رصدت تلسكوبات الأرض الضوء المنبعث من الحدث. كان ذلك أول «رصد متعدد الرسائل» في التاريخ.
النتيجة الأهم لم تكن بصرية بل فيزيائية: وصلت الموجة والضوء في نفس اللحظة تقريباً، مما أكد أن سرعة الجاذبية تساوي سرعة الضوء بفارق لا يتجاوز جزءاً في الألف. هذا اختبار أساسي للنسبية العامة كان مستحيلاً قبل ذلك.
وأضاف الرصد شيئاً آخر: العناصر الثقيلة. التصادم أنتج كميات من الذهب والبلاتين واليورانيوم تعادل كتل كواكب، وهذا يفسّر أخيراً من أين جاءت هذه المعادن في الكون.
الأمواج البطيئة جداً
الموجات التي يلتقطها «ليغو» سريعة، تردداتها بالعشرات أو المئات من الهرتز. لكن هناك أمواج أبطأ بكثير، ترددها بالسنوات، وتنتجها ثقوب سوداء هائلة تدور حول بعضها في مراكز المجرات.
لرصدها، يستخدم الفلكيون شبكة من النجوم النابضة كساعة كونية دقيقة: أي تغيّر دوري في زمن وصول نبضاتها يكشف مرور موجة جاذبية. في 2023، أعلنت عدة فرق مستقلة رصد «خلفية» من هذه الموجات، وهو أول دليل على موجة جاذبية بالغة البطء، وإن لم يكن رصداً لحدث فردي.
ما الذي تغيّره هذه النافذة؟
الضوء لا يستطيع الهروب من داخل ثقب أسود، لكن موجة الجاذبية تعبره. يعني هذا أن الأحداث التي كانت «غير مرئية» بالتعريف أصبحت قابلة للرصد. أول اندماج ثقبين أسودين لم يكن ليُرى بأي تلسكوب، لأن الثقوب السوداء لا تُصدر ضوءاً.
وهي أيضاً تعطي قياساً مستقلاً للمسافات: شدة الموجة تحدد المسافة إلى المصدر، بلا حاجة إلى سلم المسافات المعتاد. هذا يسمح باختبار قيم معدل توسّع الكون بطريقة مختلفة تماماً، وقد يحلّ الخلاف القائم بين الطرق الحالية.
ما القادم؟
المراصد الأرضية تُحسّن حساسيتها باستمرار، ومرصد «كاغرا» الياباني انضم إلى الشبكة. أما المشروع الأكبر فهو «ليزا»: ثلاثة أقمار صناعية في مدار شمسي، تفصل بينها ملايين الكيلومترات، سترصد موجات أطول وأبطأ من قدرة المراصد الأرضية، وأهدافها اندماجات ثقوب سوداء فائقة الضخامة.
وبينما تنتظر «ليزا» الثلاثينيات، يواصل «ليغو» تسجيل أحداث جديدة كل أسابيع تقريباً. ما بدأ كتنبؤ رياضي قبل قرن، أصبح الآن روتيناً: كل بضعة أيام، يهتز نسيج الزمكان بما يكفي ليُلاحظ، ونحن نسمع.
ما الذي ينتج هذه الموجات؟
أي كتلة تتسارع تُصدر موجات جاذبية، لكن الشدة تعتمد على «عزم رباعي» يتغير بسرعة. جسم كروي متماثل تماماً لا يُصدر شيئاً، حتى لو كان ضخماً. أما جسمان يدوران حول بعضهما فيُصدران موجات، وتزداد الشدة مع اقترابهما وسرعتهما.
لهذا فإن أفضل المصادر هي الأجسام الكثيفة المتقاربة: ثقبان أسودان، أو نجمان نيوترونيان، في المرحلة الأخيرة قبل الاندماج. في تلك اللحظات، تصل السرعة إلى أجزاء كبيرة من سرعة الضوء، وتُصدر الموجة طاقة هائلة في زمن قصير.
ما الذي نتعلمه من شكل الموجة؟
الإشارة المسجلة ليست مجرد «نقرة»، بل منحنى معقد يسمى «الزقزقة»: تردد يتزايد مع اقتراب الجسمين. من هذا المنحنى يمكن استخراج كتل الجسمين، ودورانهما، وحتى المسافة.
وفي اللحظة الأخيرة، عندما يندمج الجسمان في واحد، تظهر «نغمة» قصيرة تُسمى مرحلة الحلقة، تحمل معلومات عن شكل الجسم الناتج. هذه التفاصيل الدقيقة هي ما يجعل الموجات الجاذبية أداة قياس، لا مجرد إثبات وجود.
كيف نتأكد أن الإشارة ليست ضوضاء؟
أول شرط هو التطابق بين مرصدين متباعدين: الإشارة الكونية تصل إلى الاثنين في وقت متقارب جداً، بخلاف الاهتزاز المحلي الذي يظهر في مرصد واحد.
الشرط الثاني هو تطابق الشكل مع النماذج النظرية: منحنى الزقزقة متوقع بدقة، وأي إشارة عشوائية لا تحاكيه. هذه الاختبارات جعلت من الرصد الأول حدثاً لا يمكن تفسيره إلا بموجة جاذبية.
ماذا عن الأحداث التي لا تُصدر ضوءاً؟
هنا الميزة الكبرى: الثقوب السوداء لا تُصدر ضوءاً، ومع ذلك تُصدر موجات جاذبية. اندماجها كان أول ما رصدناه، ولو اعتمدنا على الضوء وحده لما عرفنا بوجوده.
وهذا يفتح باباً لرصد أحداث في الكون المبكر لم تكن النجوم قد تشكلت بعد، حين كانت الموجات الجاذبية هي «الصوت» الوحيد المتاح.
ماذا تعني للمستقبل؟
مع زيادة الحساسية، قد نصطاد إشارات من انفجارات النجوم الأولى، أو من خيوط الكون البدائي. هذه إشارات أضعف بملايين المرات من التي رصدناها، لكنها تحمل معلومات عن لحظات لا يمكن رؤيتها بأي طريقة أخرى.
وهذا هو المعنى الحقيقي للثورة: لم نضف تلسكوباً آخر، بل أضفنا حاسة جديدة إلى علم الفلك.
اقرأ المزيد في قسم الكون والفيزياء الفلكية على موقع الفلك.
اترك تعليقاً