لو أرسلتَ اليوم إشارة راديو من الأرض نحو المسبار «فوياجر 1»، ستصل بعد نحو 23 ساعة. ولو ردّ المسبار فوراً، لعاد الجواب بعد 23 ساعة أخرى. هذا التأخير وحده يشرح كل شيء عن هذه المهمة: جسم صغير يعمل منذ 1977، يبتعد عنا الآن بسرعة تقارب 17 كيلومتراً في الثانية، ولا يمكن إصلاحه إن تعطّل. ومع ذلك ما زال يرسل.
سؤال «أين وصل فوياجر؟» يبدو بسيطاً، لكن جوابه يقود إلى واحد من أعمق الأسئلة في علم الفلك: أين تنتهي حدود الشمس فعلاً؟
رحلتان، لا واحدة
أُطلق «فوياجر 2» في 20 أغسطس 1977، وبعده بأسبوعين فقط انطلق «فوياجر 1» في 5 سبتمبر. الترتيب يخدع: «فوياجر 1» سلك مساراً أقصر وأسرع، فسبق رفيقه ووصل إلى المشتري أولاً، وهو اليوم أبعد جسم صنعه الإنسان عن الأرض.
الأرقام الحالية تُقرأ بدهشة: «فوياجر 1» على مسافة تقارب 167 وحدة فلكية، أي نحو 25 مليار كيلومتر. «فوياجر 2» يتبع على مسافة أقل قليلاً، نحو 139 وحدة فلكية. للمقارنة، الشمس تبعد عن الأرض وحدة فلكية واحدة، ونبتون أبعد كوكب يبعد نحو 30 وحدة. أي أن المسافة بيننا وبين فوياجر 1 تعادل خمسة أضعاف المسافة إلى نبتون.
«الجولة الكبرى»: مصادفة فلكية لا تتكرر
في السبعينيات، لاحظ المهندسون أن الكواكب الخارجية ستنتظم في اصطفاف نادر يجعل من الممكن زيارة أربعة منها في رحلة واحدة، باستخدام جاذبية كل كوكب لتسريع المركبة نحو التالي. هذا الأسلوب، المعروف بـ«المقلاع الجاذبي»، هو ما جعل المهمة ممكنة أصلاً؛ بدونه كانت الرحلة تحتاج صواريخ أكبر ووقتاً أطول بكثير.
الاصطفاف يتكرر مرة كل 176 سنة تقريباً. أي أن الفرصة التي استُغلت في 1977 لن تعود قبل منتصف القرن الثاني والعشرين، وربما لن تعود أبداً بمثل هذا الكمال.
من المشتري إلى نبتون: تسع سنوات من الاكتشاف
مرّ «فوياجر 1» بالمشتري في مارس 1979، فكشف نشاط براكين «آيو» — أول براكين تُرصد خارج الأرض. ثم وصل زحل في نوفمبر 1980، وصوّر حلقاته بتفصيل غير مسبوق، ومرّ بقمره «تيتان» الذي كان السبب في اختيار مساره: التضحية بأورانوس ونبتون مقابل نظرة قريبة إلى قمر له غلاف جوي كثيف.
«فوياجر 2» لم يضحّ بشيء. مرّ بالمشتري وزحل، ثم أورانوس في يناير 1986، ونبتون في أغسطس 1989. حتى اليوم، هو المسبار الوحيد الذي زار الكوكبين الأخيرين. صوره لما يُسمى «البقعة المظلمة العظيمة» على نبتون، وقمره «تريتون» الذي يقذف نوافير من النيتروجين، ما زالت المراجع الأساسية عن هذين العالمين.
عبور الهيليوبوز: أين ينتهي النظام الشمسي؟
الحدود ليست خطاً مرسوماً. الشمس تنفث ريحاً من الجسيمات المشحونة تُسمى «الريح الشمسية»، تصطدم بالوسط بين النجمي وتشكّل فقاعة تُعرف بـ«الغلاف الشمسي». السطح الذي تنتهي عنده هذه الفقاعة يُسمى «الهيليوبوز»، وخارجه يبدأ الفضاء بين النجمي الحقيقي.
عبره «فوياجر 1» في 25 أغسطس 2012، وأعلنت النتيجة بعد سنة بعد تحليل قياسات البلازما. عبره «فوياجر 2» في 5 نوفمبر 2018، وهذه المرة كانت القياسات مباشرة وواضحة. أن تكون مركبتان في نقطتين مختلفتين من هذه الحدود هو ما جعل العلماء يفهمون أن الغلاف الشمسي ليس كرة بل شكل غير متماثل، ممتد في اتجاه واحد ومنضغط في آخر.
ما الذي وجده العابرون؟
الغريب أن كثافة البلازما خارج الغلاف الشمسي كانت أعلى مما توقع النموذج، والغريب أكثر أن قياسات المجال المغناطيسي لم تُظهر الانقطاع المتوقع. هذه المفارقات ما زالت موضع نقاش، وتشير إلى أن فهمنا للحدود بين الشمس والنجوم لا يزال ناقصاً.
أضف إلى ذلك أن المسبارين رصدا موجات بلازما نادرة، وقياسات لطيف الأشعة الكونية، وسجّلا «همساً» من انفجارات شمسية بعيدة. كل هذا من أجهزة صُممت قبل خمسين عاماً بذاكرة أقل من ذاكرة آلة تصوير اليوم.
مشكلة الكهرباء: كيف يموت مسبار ببطء
لا توجد بطاريات تدوم نصف قرن. الكهرباء تأتي من مولّدات حرارية تعتمد على تحلل البلوتونيوم-238، وقدرتها تنخفض بنحو أربعة واط كل سنة. مع مرور الوقت، صار على الفريق في مختبر الدفع النفاث أن يقرر: أي جهاز يُطفأ ليبقى الباقي يعمل؟
في فبراير 2025 أُطفئ جهاز الأشعة الكونية في «فوياجر 1»، وفي مارس من العام نفسه أُطفئ جهاز الجسيمات المشحونة منخفضة الطاقة في «فوياجر 2». اليوم يعمل في كل مسبار عدد محدود من الأجهزة، أهمها المغناطيسومتر وأجهزة موجات البلازما. التقديرات تشير إلى أن الاتصال سيستمر حتى بداية الثلاثينيات، ثم يصمت الجهازان إلى الأبد.
القرص الذهبي: رسالة في زجاجة بين النجوم
على جانب كل مسبار قرص نحاسي مطلي بالذهب، يحمل صوراً وأصواتاً وأغاني وموسيقى من الأرض، مع تعليمات تشغيل مرسومة بلغة الرموز الرياضية. الفكرة كانت رومانسية بقدر ما هي علمية: لو وجدته حضارة أخرى بعد ملايين السنين، فسيكون أول أثر لنا في الكون.
لكن الحقيقة الأكثر إثارة للتفكير أن القرص لن يبقى سليماً طويلاً في هذه البيئة. الغبار بين النجمي والزمن الطويل سيتلفانه قبل أن يصل إلى أي مكان مأهول. الرسالة، إذن، ليست للمستقبل البعيد بقدر ما هي لنا: تذكير بأننا نستطيع أن نترك شيئاً خارج الأرض.
أين سيكونان بعد 30 ألف سنة؟
كلمة «بين النجوم» تُفهم أحياناً بشكل خاطئ. المسباران خارج الغلاف الشمسي، لكنهما ما زالا داخل حدود جاذبية الشمس، ولم يخرجا من «سحابة أورط» بعد. الحسابات تقول إنهما سيصلان إلى الحافة الداخلية لهذه السحابة بعد نحو 300 سنة، ولن يعبراها إلا بعد 30 ألف سنة تقريباً.
وفي تلك الرحلة البعيدة، سيمرّ «فوياجر 1» يوماً في جوار نجم آخر، لكن ليس قريباً بما يكفي لرؤيته كما نرى الشمس. المسافات هنا ليست مقاييس للسرعة بل للصبر.
لماذا لا نرسل بديلاً؟
السؤال مشروع: إن كانت هذه أفضل مهمة بين النجوم، فلماذا لا نكرّرها؟ الجواب بسيط ومحبط: اصطفاف الكواكب لن يتكرر قريباً، والطاقة اللازمة لتسريع مركبة إلى مثل هذه السرعة هائلة، والمهمة كلها استغرقت جيلاً كاملاً من العلماء. بدائل اليوم تركّز على مسابير أصغر وأسرع وأذكى، لكنها لن تصل إلى ما وصل إليه فوياجر خلال حياتنا.
لهذا يبقى المسباران شاهدين حيّين على عصر مضى: عصر كان فيه المهندسون يبنون أجهزة لتخدم 40 سنة، بينما كان هاتفك الحالي يحتاج استبدالاً كل ثلاث سنوات. ما زال «فوياجر» يعمل، وهذا وحده أعظم إنجاز هندسي في تاريخ استكشاف الفضاء.
كيف تصل الأوامر إلى 25 مليار كيلومتر؟
الإشارة القادمة من فوياجر 1 أضعف بمليارات المرات من إشارة شبكة هاتف محمول. لالتقاطها تستخدم ناسا شبكة الفضاء العميق: أطباق بقطر 70 متراً في كاليفورنيا وإسبانيا وأستراليا، موزّعة بحيث يبقى أحدها موجهاً نحو المسبار في كل لحظة.
معدل البيانات اليوم لا يتجاوز بضع مئات من البتات في الثانية، أقل من سرعة برقية قديمة. لهذا تُرسل الصور نادراً وتُفضّل القياسات الرقمية القصيرة، وحين يتعطل شيء تُرسل أوامر مكتوبة بدقة ويُنتظر يوم كامل لمعرفة النتيجة.
الغلاف الشمسي ليس كرة
قياسات المسبارين من نقطتين مختلفتين كشفت أن الحدود غير متماثلة: ممتدة في اتجاه حركة الشمس عبر المجرة، ومنضغطة في الاتجاه المقابل. هذا الشكل الغريب ناتج عن تفاعل الريح الشمسية مع المجال المغناطيسي بين النجمي، وهو ما لم يكن ممكناً تصوّره من نقطة واحدة.
وظهرت مفارقة أخرى: كثافة البلازما خارج الحد كانت أعلى مما توقعته النماذج، والمجال المغناطيسي لم يُظهر الانقطاع المتوقع. هذا يعني أن الانتقال من بيئة الشمس إلى بيئة النجوم تدريجي ومعقد أكثر مما تصوّرنا، وأن فهمنا للحدود بين النجمية ما زال في بدايته.
اقرأ المزيد في قسم الفضاء واستكشاف الكون على موقع الفلك.
اترك تعليقاً