في ليلة 26 سبتمبر 2022، كان ملايين الناس يتابعون بثاً مباشراً لصورة رمادية ضبابية يتقدّم فيها جسم صغير نحو نقطة مضيئة. المهمة كلها بدت كأنها مشهد من فيلم: مركبة بحجم ماكينة غسيل تسافر 11 مليون كيلومتر لتضرب كويكباً بحجم ملعب كرة قدم بسرعة تزيد على 22 ألف كيلومتر في الساعة. لكن ما حدث بعد الاصطدام هو الأهم: للمرة الأولى في التاريخ، نجح البشر في تغيير مسار جرم سماوي.
هذه ليست مجازاً بل حرفياً. المهمة «داارت» أثبتت أن الدفاع الكوكبي خرج من خانة السيناريوهات النظرية إلى خانة القدرات المختبرة، وأن الفارق بين «نعرف الخطر» و«نستطيع التصرف» قد بدأ يتقلّص.
لماذا ننفق ملايين الدولارات على صخرة صغيرة؟
لأن التاريخ يقول إن السؤال ليس «هل سيحدث؟» بل «متى؟». في فبراير 2013 انفجر كويكب قطره نحو 20 متراً فوق مدينة تشيليابينسك الروسية، فتحطّمت نوافذ آلاف المباني وأُصيب أكثر من ألف شخص، ولم يكتشفه أحد قبل وصوله. وفي 1908 سوّى جسم مشابه مساحة واسعة من غابة تونغوسكا في سيبيريا بالأرض.
الأجسام الصغيرة تتسلل إلينا بلا إنذار، والأجسام الكبيرة، التي قد تُلحق ضرراً قارياً أو عالمياً، معروفة بنسبة أكبر. الفلكيون يرصدون اليوم أكثر من مليون كويكب، منها نحو 2300 مصنّفة «خطراً محتملاً» لأن مداراتها تقترب من مدار الأرض. الكارثة ليست حتمية، لكن تجاهلها ليس خياراً.
كيف تعمل «داارت»؟
الفكرة أبسط مما تبدو: اصطدام حركي. لا متفجرات، لا جاذبية صناعية، لا جرّ. مركبة تسير بسرعة عالية جداً وتصطدم بالجسم فتنقل إليه زخماً وتغيّر سرعته المدارية قليلاً. في المقاييس الكونية، تغيير السرعة بجزء من المئة يكفي: المسافة تُضاعف عبر الزمن، فانحراف بسيط اليوم يعني مسافة آمنة بعد سنوات.
اختير الهدف بعناية. «ديديموس» كويكب قطره نحو 780 متراً، ويدور حوله «ديمورفوس» بقطر 160 متراً، ويكمل دورانه حوله كل 11 ساعة و55 دقيقة. لأن ديمورفوس صغير وقريب من جسم أكبر، يمكن قياس تغيّر مداره بدقة عالية عبر تلسكوبات الأرض، وهذا ما جعل التجربة قابلة للتحقق.
لحظة الاصطدام
انطلقت المركبة في 24 نوفمبر 2021 على صاروخ «فالكون 9»، بكتلة مصادم نحو 570 كيلوغراماً. في اللحظات الأخيرة، كانت المركبة تصوّر هدفها وتُرسل الصور إلى الأرض بمعدل صورة كل ثانية تقريباً، حتى انقطع البث عند الاصطدام. التقطت الصورة الأخيرة تفاصيل سطح ديمورفوس عن قرب، وأظهرت أن الجسم ليس كرة ناعمة بل كومة حجارة متماسكة.
على مسافة قريبة، أطلقت المركبة كيوبسات إيطالي بحجم حقيبة يد يُسمّى «ليتشي كيوب»، راقب الحدث من زاوية جانبية وصوّر سحابة الحطام وهي تتوسّع. تلك الصور كانت أول دليل بصري مستقل على أن ما خطط له المهندسون قد حدث فعلاً.
33 دقيقة: كيف قرأ العلماء النتيجة؟
عبر التلسكوبات الأرضية، رصد الفلكيون تغيّراً في سطوع النظام: كل مرة يمر فيها ديمورفوس أمام أو خلف ديديموس، ينخفض الضوء قليلاً. من توقيت هذه الانخفاضات يُستخرج طول المدار. النتيجة كانت أوضح من التوقعات: تقلّص طول المدار بنحو 33 دقيقة، من 11 ساعة و55 دقيقة إلى 11 ساعة و22 دقيقة تقريباً. أي أن التغيّر كان أكبر بأكثر من عشرين مرة من الحد الأدنى الذي اعتبرته ناسا نجاحاً.
معامل «بيتا»
لم يكن سبب هذا النجاح الاصطدام وحده. ما يحدث فعلياً أن الحطام المقذوف يعمل كمحرّك صاروخي: كل ما يطير بعيداً يدفع الجسم في الاتجاه المعاكس. قياس هذه الكفاءة يُسمّى معامل «بيتا»، وقيمته في هذه التجربة تجاوزت 3، أي أن الأثر الحقيقي كان ثلاثة أضعاف ما يقدمه الزخم المباشر للمركبة وحدها. هذا الرقم يعيد كتابة الحسابات لكل مهمة دفاعية مستقبلية.
«هرا» تصل لتفتح الصندوق
التجربة تركت سؤالاً مفتوحاً: كيف تغيّر شكل ديمورفوس؟ هل حُفرت فيه فوهة كبيرة؟ هل تحوّل إلى جسم مختلف الشكل تماماً؟ اسطوانة الحطام التي امتدت آلاف الكيلومترات تعني أن الكتلة لم تتغير فقط بل توزّعت. للإجابة، تحتاج المهمة إلى زائر يقيس ما حدث.
هذا دور «هرا» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، التي أُطلقت في أكتوبر 2024 وحلّقت قرب المريخ في مارس 2025، ومن المقرر أن تصل إلى النظام في نهاية 2026. سترسم خريطة ثلاثية الأبعاد للسطح، وتقيس الكتلة بدقة، وتحدد حجم الفوهة. عندها فقط يستطيع العلماء تحويل هذه التجربة إلى معادلة قابلة للتطبيق على أجسام أخرى.
ما لا تستطيعه هذه التقنية
الاصطدام الحركي يعمل مع جسم صلب واحد، نسبياً. أما الكويكبات «أكوام الحجارة» الهشّة، فالمصادم قد يفتّتها بدل دفعها، فيتحول جسم واحد إلى سيل من الشظايا بعضها قد يعود في مسار مشابه. والأسوأ: إن كان وقت الإنذار قصيراً، شهوراً لا سنوات، فلا وقت لإرسال مركبة.
هنا يأتي التحذير المبكر كحلقة أولى لا بديل عنها. تلسكوب «نبو سيرفيور» المخصص لرصد الأجسام القريبة من الأرض بالأشعة تحت الحمراء، ومن المقرر إطلاقه قريباً، سيُحسّن قدرتنا على اكتشاف الأجسام الصغيرة قبل سنوات من اقترابها. بلا إنذار مبكر، تُصبح كل التقنيات الأخرى بلا معنى.
قرار الإطلاق: من يملكه؟
هنا يترك العلم مكانه لسؤال آخر. معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 تُحمّل الدولة المسؤولية عن أي نشاط تُطلقه، وتلزمها بتجنّب التلوّث الضار. لكن من يوافق على مهمة قد تنحرف عن هدفها، أو تُفتّت كويكباً في مدار غير متوقع؟ لا توجد اليوم سلطة عالمية تملك هذا القرار.
ما هو موجود شبكتان: شبكة الإنذار الدولية للكويكبات، التي تنسّق الرصد والإبلاغ، ومجموعة تخطيط المهمات الفضائية التي تضم وكالات الفضاء لتنسيق أي استجابة. هما أداتان للتشاور لا للتنفيذ. في اليوم الذي يُكتشف فيه جسم في مسار تصادم حقيقي، سيكون القرار سياسياً بالكامل، ويُتخذ في ساعات، لا في مؤتمرات.
هل نصبح يوماً «حراس الأرض»؟
التجربة غيّرت لغة النقاش في الأوساط العلمية: من «هل يمكن؟» إلى «كم نحتاج من الوقت والموارد؟». لكنها لم تُنتج نظاماً جاهزاً. ما لدينا اليوم مركبة اختبار واحدة، وتلسكوبات رصد، وشبكة اتصال بين وكالات تعرف كيف تتحدث مع بعضها في حالة طارئة.
ما تحتاجه البشرية ليس بطولة، بل إجراءات مملة: مسوحات سماء مستمرة، سيناريوهات تدريب، قرارات سياسية قبل الأزمة لا بعدها. «داارت» أثبتت أن التقنية ليست العقبة الكبرى. العقبة هي أن نقرر، قبل أن يدقّ الجرس، من يملك حقّ التصرف حين يكون الهدف مدينة كاملة.
ماذا لو كان الجسم أكبر؟
الاصطدام الحركي مناسب للأجسام التي لا يزيد قطرها عن بضع مئات من الأمتار، وبإنذار يمتد عشر سنوات أو أكثر. أما جسم بحجم كيلومتر، فالحساب يتغير: كتلته أكبر بمئات المرات، والتغيّر المطلوب في سرعته أكبر، وهذا يعني مركبات أثقل أو وقتاً أطول أو كليهما.
لهذا يدرس المهندسون بدائل متعددة. «الجرار الجاذبي» مركبة تحوم قرب الجسم لسنوات وتشدّه بجاذبيتها الضعيفة جداً، بلا لمس ولا غبار. «الشعاع الأيوني» يدفع سطح الكويكب بجسيمات مشحونة تُطلق من مسافة آمنة. وهناك خيار الانفجار النووي على مسافة، الذي يبدو فكرة سينمائية لكنه في الواقع الأكثر كفاءة من حيث الطاقة المنقولة لكل كيلوغرام.
كل هذه الخيارات تتقاسم شرطاً واحداً لا يمكن التفاوض عليه: الوقت. الجرار يحتاج سنوات من الحومان، والانفجار يحتاج معرفة دقيقة بشكل الجسم وتكوينه قبل التنفيذ، والاصطدام يحتاج مساراً محسوباً بدقة. ولهذا يتقدّم الإنذار المبكر على كل تقنية دفع أخرى.
ماذا يعني ذلك للإنذار المبكر؟
التجربة أثبتت قدرتنا على الدفع، لكنها لم تُثبت قدرتنا على الاكتشاف في الوقت المناسب. الفارق جوهري: تغيير مسار جسم يعرف العلماء مداره منذ سنوات قرار حسابي، أما التعامل مع جسم يُكتشف قبل أشهر فهو مسألة أخرى تماماً.
في حالة «ديديموس»، كانت المسافة 11 مليون كيلومتر، أي قريبة نسبياً بمعايير الكويكبات. لكن معظم الأجسام التي قد تهدد الأرض تأتي من مسافات أكبر بكثير، وتُكتشف بفضل مسوحات السماء الآلية. القدرة على رسم مدار دقيق تحتاج أرصاداً متعددة على مدى سنوات، وهذا سبب إضافي لاعتبار التلسكوبات المخصصة للرصد أولوية لا رفاهية.
اقرأ المزيد في قسم الفضاء واستكشاف الكون على موقع الفلك.
اترك تعليقاً