>
الرئيسية الكون والفيزياء الفلكية الكواكب النجمية العابرة: كيف يكتشف العلماء عوالم تدور حول نجوم بعيدة؟
الكون والفيزياء الفلكية

الكواكب النجمية العابرة: كيف يكتشف العلماء عوالم تدور حول نجوم بعيدة؟

مشاركة
كوكب يعبر أمام نجمه
تصوّر فني لكوكب يعبر أمام نجمه (ناسا)
مشاركة
إعلان / Advertisement

📢 مساحة إعلانية ذكية (تظهر بعد 3 ثوانٍ من فتح المقال)
[جاهز لربط شفرة Google AdSense الحقيقية على الموقع]

طريقة اكتشاف الكواكب حول نجوم أخرى تبدو مستحيلة في البداية: الكوكب صغير ومعتم، والنجم ساطع، والمسافة هائلة. لكن الفلكيين وجدوا حيلة بسيطة: لا ننظر إلى الكوكب، بل نراقب النجم وننتظر انخفاضاً صغيراً في سطوعه.

هذه الطريقة تُسمى «العبور»، وهي المسؤولة عن معظم الكواكب الخارجية المعروفة اليوم، وأكثر من خمسة آلاف كوكب مؤكد.

كيف يعمل العبور؟

إذا كان مدار الكوكب مصطفاً مع خط نظرنا، فسيمر أمام نجمه مرة كل دورة. حين يحدث ذلك، يحجب جزءاً صغيراً من ضوء النجم، فينخفض السطوع بمقدار يتراوح عادة بين واحد بالمئة وأقل من 1 بالألف.

الانخفاض نفسه يعطينا معلومة: نسبته تعادل مربع نسبة نصف قطر الكوكب إلى نصف قطر النجم. أي أن انخفاضاً بنسبة واحد بالمئة يعني أن الكوكب أكبر بعُشر حجم نجمه تقريباً.

المدة بين عبورين تعطينا طول السنة على ذلك الكوكب، ومنها نحسب بعده عن النجم، وبذلك درجة الحرارة المتوقعة. وهذا كله من قياس سطوع نقطة ضوء.

ما الذي نعرفه من العبور وحده؟

نعرف الحجم والمدار وفترة الدوران. ولا نعرف الكتلة، وهذه مشكلة: كوكب بحجم الأرض قد يكون صخرياً كثيفاً، أو جسماً غازياً خفيفاً، أو حتى نجماً صغيراً خافتاً.

ولهذا تُستخدم طريقة ثانية بالتوازي: «السرعة الشعاعية». جذب الكوكب لنجمه يجعله يتحرك ذهاباً وإياباً بمقادير صغيرة، وهذا يظهر في طيف النجم كانزياح دوري. من مقدار الانزياح نحسب الكتلة.

اجتماع الطريقتين يعطي الكثافة، وهي المفتاح: الكثافة تكشف إن كان الكوكب صخرياً أم غازياً أم مائياً. لهذا تُعتبر الكواكب المكتشفة بالطريقتين معاً أكثر أهمية علمياً من غيرها.

الجيل الأول: من أول كوكب إلى آلاف

في 1995، أعلن فريق سويسري اكتشاف كوكب حول النجم «51 بيغاسي»، بكتلة تقارب نصف كتلة المشتري ومدار يستغرق أربعة أيام فقط. كان ذلك مفاجئاً: لم يتوقع أحد «مشترياً حاراً» بهذا القرب من نجمه.

ثم جاء تلسكوب «كبلر»، الذي أطلقته ناسا في 2009 وراقب أكثر من 150 ألف نجم في منطقة واحدة من السماء، بحثاً عن انخفاضات دورية. النتيجة كانت ثورة: آلاف الكواكب المرشحة، وأول تقديرات لنسبة الكواكب الصخرية حول النجوم الشبيهة بالشمس.

ثم جاء «تيس» في 2018 ليرصد السماء كلها على مسافات أقرب، بهدف العثور على كواكب حول نجوم ساطعة بما يكفي لدراسة أغلفتها الجوية.

ما وراء الحجم: الغلاف الجوي

أهم ما يقدمه العبور ليس الاكتشاف بل التحليل. أثناء العبور، يمر ضوء النجم عبر الغلاف الجوي للكوكب عند حافته، وجزء من هذا الضوء يمتص عند أطوال موجية محددة بحسب الغازات الموجودة.

بمقارنة طيف النجم أثناء العبور وخارجه، نحصل على «بصمة» الغلاف الجوي. هذه التقنية كشفت بخار الماء، وثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكاسيد المعادن في كواكب بعيدة.

في 2022، أعلن تلسكوب «ويب» اكتشاف ثاني أكسيد الكربون في غلاف كوكب «واسب-39 بي»، وكان ذلك أول دليل واضح على هذا الغاز في كوكب خارجي. وهو إنجاز تقني بحد ذاته: الكمية المكتشفة كانت أجزاء من المليون.

المشكلات العملية

الانخفاضات الصغيرة تُخفي كثيراً من الأخطاء. تغيّر نشاط النجم نفسه يمكن أن يُقلّد إشارة عبور، فتُصنّف حالات كثيرة كـ«إيجابيات كاذبة»: نجوم ثنائية كاسفة، أو أقزام بنية، أو حتى بقع نجمية.

المشكلة الثانية أن العبور يحتاج اصطفافاً دقيقاً. إذا كانت زاوية المدار مختلفة قليلاً، فلن يحدث عبور أبداً، رغم أن الكوكب موجود. هذا يعني أن الإحصاءات المستخلصة من العبور تفضّل المدارات المصطفة، وتحتاج تصحيحاً إحصائياً.

المشكلة الثالثة هي الغيوم. غلاف جوي سميك بغيوم عالية يحجب الطبقات السفلى، فيظهر الكوكب «مسطحاً» بلا ملامح. هذا يحدث في كثير من الكواكب الصغيرة، ويحدّ من قدرتنا على معرفة ما تحت الغيوم.

أمثلة تستحق التوقف

نظام «ترابيست-1» يضم سبعة كواكب صخرية حول نجم صغير قريب، ثلاثة منها في النطاق القابل للسكن. كلها تُرصد بالعبور، وهذا يجعلها هدفاً رئيسياً لتحليل الأغلفة الجوية.

«كبلر-452 بي» أكبر من الأرض بنحو 60 بالمئة، ويدور حول نجم شبيه بالشمس في مدار قريب من مدار الأرض، لكنه أبعد 1400 سنة ضوئية، ما يجعل التحليل التفصيلي صعباً.

وهناك كواكب «الحديد المصهور» مثل «كبلر-78 بي»: كثافة عالية جداً تشير إلى تكوين معدني، بلا غلاف جوي تقريباً. وفي المقابل، كواكب خفيفة جداً كثافتها قريبة من كثافة الماء، وقد تكون عوالم محيطية.

ماذا ينتظرنا؟

الجيل القادم من التلسكوبات سيركّز على كواكب صخرية حول نجوم قريبة، بهدف البحث عن غازات لا تُفسّر طبيعياً، مثل الأكسجين والميثان معاً. هذا المزيج هو أقوى بصمة حيوية نعرفها.

لكن الطريق طويل: الإشارة ضعيفة، والنجوم متغيرة، والحاجة إلى أرصاد متكررة لساعات طويلة. ربما نحتاج عقداً كاملاً قبل أن نستطيع القول إننا وجدنا غلافاً جوياً مشابهاً للأرض.

ومع ذلك، فإن ما تحقق في ثلاثين سنة مذهل: من «هل توجد كواكب أخرى؟» إلى «كم كوكباً صخرياً في نطاق قابل للسكن؟». والعبور هو الجسر الذي عبرنا عليه.

كيف نفرّق بين كوكب ونجم خافت؟

كوكب بحجم المشتري يُنتج انخفاضاً بنسبة واحد بالمئة، لكن نجماً صغيراً خافتاً يمكن أن يُنتج الانخفاض نفسه. الحل: قياس الكتلة بالسرعة الشعاعية. النجم يكون ثقيلاً جداً، والكوكب خفيف، وهذا يفرّق بينهما بوضوح.

وهناك اختبار آخر: شكل الانخفاض. عبور الكوكب ينتج انخفاضاً مستوياً نسبياً، أما عبور نجم خافت فينتج شكلاً مختلفاً لأن الجرم أكبر وأكثر إشراقاً من الحافة.

وماذا عن الكواكب التي لا تعبر؟

معظم الكواكب لا تمر أمام نجومها كما نراها من الأرض. لهذا تعمل طرق أخرى بالتوازي: السرعة الشعاعية، والعدسية الجاذبية، والتصوير المباشر للكواكب البعيدة عن نجومها.

النتيجة أن الصورة الكاملة تتطلب دمج عدة طرق. وكل طريقة ترى نوعاً مختلفاً من العوالم، وهذا يذكّرنا بأن ما نعرفه عن الكواكب الخارجية هو صورة جزئية، محددة بأدواتنا لا بطبيعة الكون.

ماذا عن الأقمار؟

قد تحتوي بعض الكواكب العملاقة على أقمار بحجم الأرض، وقد تكشف العبورات الصغيرة داخل العبور الرئيسي عنها. هذا «عبور داخل عبور» نادر لكنه رُصد في حالات قليلة.

إن ثبت وجودها، فسيكون ذلك توسيعاً هائلاً لعدد الأماكن المحتملة للحياة، لأن الأقمار قد تكون في نطاق قابل للسكن حتى لو كان الكوكب الأم بعيداً.

ما أثر هذه الطريقة على الإحصاء؟

لأن العبور يحتاج اصطفافاً، فإن الكواكب ذات المدارات الكبيرة تُرصد أقل من الواقع. لهذا تُصحح الإحصاءات بمعاملات هندسية معروفة، وإلا خرجنا بصورة مشوهة عن توزيع الكواكب.

هذا التصحيح هو ما يسمح بالقول إن كواكب بحجم الأرض شائعة، وليس مجرد انطباع من قائمة مكتشفاتنا.

اقرأ المزيد في قسم الكون والفيزياء الفلكية على موقع الفلك.

مشاركة

اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *