>
الرئيسية الكون والفيزياء الفلكية الثقوب السوداء التراكمية في مراكز المجرات: محركات الكون المظلمة
الكون والفيزياء الفلكية

الثقوب السوداء التراكمية في مراكز المجرات: محركات الكون المظلمة

مشاركة
ثقب أسود هائل يحيط به قرص تراكمي
تصوّر فني لثقب أسود هائل وقرصه التراكمي (ناسا)
مشاركة
إعلان / Advertisement

📢 مساحة إعلانية ذكية (تظهر بعد 3 ثوانٍ من فتح المقال)
[جاهز لربط شفرة Google AdSense الحقيقية على الموقع]

في مركز مجرتنا، على مسافة 26 ألف سنة ضوئية من الأرض، يوجد جسم بكتلة أربعة ملايين شمس، وحجم أصغر من مدار عطارد. لا يُصدر ضوءاً، ولا يمكن رؤيته مباشرة، ومع ذلك نعرف كتلته بدقة، ونعرف أنه يدور، ونعرف أن النجوم القريبة منه تتسارع حوله كما تتسارع الكواكب حول الشمس.

هذا هو «القوس أ*»، الثقب الأسود الهائل في قلب درب التبانة. وهو واحد من ملايين الملايين المنتشرة في مراكز المجرات.

كيف نعرف أنه موجود؟

لا يمكن رؤية ثقب أسود مباشرة، لأن الضوء لا يخرج من داخله. لكن يمكن رؤية أثره. في التسعينيات، بدأ فريقان في مراقبة نجوم قريبة من مركز المجرة على مدى سنوات، وقياس مواقعها بدقة زاوية مذهلة.

بعض هذه النجوم Orbit حول «القوس أ*» في مدارات قصيرة، أحدها يكمل دورة في 16 سنة فقط. من شكل المدار وسرعته، يمكن حساب كتلة الجسم المركزي بدقة. النتيجة كانت قاطعة: كتلة مركزة في حجم صغير جداً، أي ثقب أسود.

لهذا العمل حصل أندريا غيز وراينهارد غينزل على جائزة نوبل في 2020، رغم أن أحداً لم يرَ الثقب الأسود نفسه.

ما معنى «تراكمي»؟

الثقب الأسود لا يبتلع كل شيء كالمكنسة. المادة التي تقترب منه لا تسقط مباشرة، بل تدور حوله في قرص رقيق، بسبب الزخم الزاوي. في هذا القرص، تتصادم المادة وتتسخن بفعل الاحتكاك حتى تصل إلى ملايين الدرجات، فتُصدر ضوءاً ساطعاً.

هذه العملية تُسمى «التراكم»، وهي أكثر الطرق كفاءة لإنتاج الطاقة في الكون: تحويل 10 بالمئة من كتلة المادة إلى إشعاع، مقابل 0.7 بالمئة في الاندماج النووي. لهذا يمكن لجسم صغير أن يضيء أكثر من مجرة كاملة.

هذا ما يحدث في «الكوازارات»: ثقوب سوداء تلتهم كميات هائلة من الغاز، فتضيء بشدة تُرى من أطراف الكون. بعضها أكثر سطوعاً من مجرة درب التبانة بمئة مرة.

العلاقة الغامضة مع المجرة

في التسعينيات، اكتُشفت علاقة غريبة بين كتلة الثقب الأسود المركزي وخصائص المجرة المضيفة. الكتلة ترتبط بسرعة النجوم في انتفاخ المجرة، وهي علاقة تُعرف بـ«إم-سيغما».

لماذا؟ لا أحد يعرف يقيناً. أحد التفسيرات أن «التغذية المرتدة» هي السبب: الثقب الأسود يبتلع الغاز فيُطلق طاقة تدفع الغاز بعيداً، فيتوقف تشكل النجوم ونمو الثقب في الوقت نفسه. النتيجة توازن بين الاثنين.

هذه التغذية المرتدة ليست نظرية هامشية: هي ما يفسّر لماذا تبدو بعض المجرات الضخمة «ميتة»، بلا تشكل نجوم جديد، رغم امتلائها بالغاز.

كيف تشكّلت بهذا الحجم؟

هنا مشكلة حقيقية. رصدنا كوازارات عمرها أقل من مليار سنة بعد الانفجار العظيم، وكتلتها مليارات الكتل الشمسية. كيف ينمو ثقب أسود بهذه السرعة؟

التراكم العادي يحتاج وقتاً طويلاً، وهناك حد يمنع النمو السريع: ضغط الإشعاع يدفع الغاز بعيداً قبل أن يدخل. لهذا يقترح الباحثون «بذوراً» كبيرة: سحب غاز ضخمة انهارت مباشرة لتكوين ثقب أسود بكتلة مئة ألف شمس، بدلاً من نجم أول انفجر ثم نما.

هناك أيضاً فكرة اندماج ثقوب سوداء في عناقيد كثيفة، حيث تتحد أجسام متوسطة الحجم لتكوين جسم أكبر بسرعة. أيهما الصحيح؟ البيانات القادمة من تلسكوب «ويب» وعن مراصد الموجات الجاذبية قد تحسم الأمر.

الصورة الأولى

في 2019، نشر تعاون «تلسكوب أفق الحدث» أول صورة لثقب أسود، في مجرة «إم 87». الصورة أظهرت حلقة ضوء غير متناظرة حول ظل مظلم مركزي. في 2022، نُشرت صورة مشابهة لـ«القوس أ*» في مجرتنا.

لكل صورة قصة تقنية: ربط تلسكوبات في هاواي وتشيلي وإسبانيا والقطب الجنوبي لتعمل كتلسكوب واحد بحجم الأرض، ومعالجة بيانات استغرقت سنوات. النتيجة لم تكن مجرد صورة، بل اختبار للنسبية العامة في ظروف جاذبية قصوى.

ونظام «إم 87» أكد أيضاً شيئاً آخر: الثقب الأسود يدور، ويقذف نفاثة من الجسيمات بسرعة قريبة من سرعة الضوء، تمتد آلاف السنين الضوئية.

ماذا يحدث عند اندماج مجرتين؟

عندما تندمج مجرتان، يغرق الثقبان الأسودان المركزيان في النهاية إلى مركز واحد، ويدوران حول بعضهما في مدار يتقلص تدريجياً. هذه المرحلة تُنتج موجات جاذبية بترددات منخفضة جداً، بفترات سنوات.

رصد هذه الموجات صعب، لكن في 2023 أعلنت فرق دولية دليلاً على «خلفية» من هذه الموجات، مبنية على مراقبة توقيت عشرات النابضات على مدى أكثر من عقد. إن تأكد، فهذا يعني أن اندماجات الثقوب السوداء الهائلة حدثت ولا تزال تحدث.

لماذا تهمّنا؟

لأنها تخبرنا عن تاريخ المجرات. حجم الثقب المركزي وشدة نشاطه يحددان كيف تطورت المجرة، وكيف توقف تشكل النجوم، وكيف توزعت العناصر الثقيلة.

وهي أيضاً مختبرات للفيزياء. في محيط الثقب الأسود، تُختبر النسبية العامة في مجال جاذبية لا يمكن محاكاته، وتُدرس البلازما في ظروف قصوى، وتُفحص فرضيات عن طبيعة الزمكان نفسه.

والأغرب أن أقرب هذه الوحوش إلينا موجود في مجرتنا، على بعد 26 ألف سنة ضوئية، هادئ الآن، لكنه نشط بما يكفي ليُقاس. نحن نعيش قرب ثقب أسود هائل، وهو لا يبدو مهتماً بنا.

ماذا يحدث إذا اقترب نجم كثيراً؟

النجوم القريبة جداً من الثقب الأسود تتشوه، وتُمزّق بفعل المدّ الجاذبي في ظاهرة تُسمى «حدث الاضطراب المدّي». جزء من الحطام يبتلعه الثقب، وجزء يُقذف بعيداً بسرعة عالية.

هذه الأحداث تُنتج ومضات ضوئية مميزة، وقد رُصدت عشرات منها. وتحليلها يعطي معلومات عن كتلة الثقب ودورانه، وعن توزيع النجوم حوله.

هل كل المجرات لها ثقب مركزي؟

كل المجرات الكبيرة التي دُرست بعناية تقريباً تحتوي على ثقب أسود هائل، لكن كتلته تتفاوت بملايين المرات. المجرات القزمة قد تحتوي أجساماً متوسطة الحجم، وهي حالة نادرة يصعب رصدها.

هذا الاختلاف يساعد في فهم التطور: يبدو أن الثقب والمجرة ينموان معاً، وأن كل واحد يحدّ من نمو الآخر عبر التغذية المرتدة.

كيف تنمو بهذه السرعة؟

النمو بالتراكم له حد أقصى، لأن الإشعاع يدفع الغاز بعيداً. في بعض الحالات، يمكن أن يتجاوز الحد إن كان الغاز كثيفاً ومحجوباً، وهذا ما يفسر وجود ثقوب سريعة النمو في الكون المبكر.

وهناك مسار آخر: اندماج ثقوب متوسطة الحجم في عناقيد نجمية كثيفة، أو انهيار مباشر لسحابة غاز ضخمة. أي من هذه المسارات يحدد شكل المجرة لاحقاً.

كيف يؤثر على النجوم؟

الطاقة المنبعثة من القرص التراكمي قد تسخّن الغاز المحيط أو تدفعه خارج المجرة، فتمنع تشكل نجوم جديدة. هذا ما يفسر وجود «مجرات ميتة» ضخمة في الكون المبكر.

وفي المقابل، قد تساعد الموجات الصادمة على تحفيز تشكل النجوم في مناطق أخرى، فالنتيجة تعتمد على الشدة والمسافة.

اقرأ المزيد في قسم الكون والفيزياء الفلكية على موقع الفلك.

مشاركة
كتبه
فريق التحرير

فريق تحرير موقع الفلك: مقالات عربية مبسّطة في علم الفلك وعلوم الفضاء.

اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *