بدلة الفضاء ليست زي عمل، بل مركبة صغيرة تُلبس. فيها نظام ضغط، وأكسجين، وتحكم حراري، واتصالات، وحماية من الإشعاع والغبار، والعديد من الطبقات التي تعمل معاً. ومن يفهم البدلة يفهم فعلاً صعوبة العمل خارج الكوكب: أصعب ما في الفراغ ليس المسافة، بل العودة بأمان.
الوظائف الأربع الأساسية
أولاً: الحفاظ على الضغط. بدون ضغط، تغلي سوائل الجسم. البدلة تحافظ على ضغط جزئي أقل من الضغط الجوي، لذلك يحتاج المستخدم «تنفيساً مسبقاً» لتجنب «الانحناء» (Decompression sickness).
ثانياً: الأكسجين وإزالة ثاني أكسيد الكربون، مع نظام يمتص الرطوبة التي يُنتجها الجسم.
ثالثاً: التحكم الحراري، وهو أهم مما يبدو: في الشمس يكون السطح حاراً جداً، وفي الظل شديد البرودة، والبدلة ممتلئة بالعزل والأنابيب التي تُبرد الجسم.
رابعاً: الحماية الميكانيكية من الجزيئات الدقيقة عالية السرعة والسوائل، ومن الغبار القمري الحاد الذي يُتلف المفاصل والأختام.
البدلة القديمة والبدلة الجديدة
البدلة التي استُخدمت لعقود في المشي الفضائي صُممت لمهام محدودة: خرجات قصيرة، مع صيانة متكررة، وحجمها كبير وحركتها صعبة. وكانت كل خروج عملية معقدة تستغرق ساعات تحضير.
البدلات الحديثة تستهدف ثلاثة أهداف: مرونة أعلى، ووزن أقل، وصيانة أقل. المرونة تعني مفاصل هجينة ومقاطع صلبة دوّارة بدل النسيج المضغوط فقط، إذ إن مقاومة النسيج للانحناء هي سبب التعب الرئيسي في الخروج.
لماذا صار القمر مختلفاً؟
المشي على القمر يحتاج أكثر من «جاف». الغبار القمري حاد وزجاجي، ويحتك بالمفاصل، ويُتلف الأختام، وقد دخل داخل البدلات في بعثات أبولو. ولهذا صارت أنظمة الإغلاق والطبقات الخارجية تُصمم للتعامل مع الغبار تحديداً.
والحرارة أيضاً: على سطح القمر، يوم يستمر أسبوعين وحرارة تتجاوز 100 درجة، ثم ليل يستمر أسبوعين وبرودة شديدة. البدلة تحتاج عزلاً وتمويلاً حرارياً فعّالين.
البدلة كمنصة بيانات
البدلة الحديثة ليست مجرد حماية، بل منصة: عرض معلومات داخل الخوذة، وكاميرات، وأجهزة قياس، واتصالات لاسلكية. وهذا يربطها بسلسلة مهام أكبر: مراقبة صحية للرائد، وإرشادات من مركز التحكم، وتوثيق علمي.
وتطوير الواجهة داخل الخوذة مشكلة تصميم صعبة: يجب أن تُرى من زوايا مختلفة، وأن تكون مقروءة في ضوء الشمس المباشر، وألا تستهلك الطاقة.
التكلفة والتقنيات المساندة
كل بدلة مشروع هندسي بطيء: سنوات تصميم واختبار. ولهذا تتجه الوكالات إلى شراء خدمات من شركات تجارية، بدل تطوير كل بدلة داخل الوكالة. وهذا يخلق سوقاً صغيراً لكنه مهم لـالسياحة الفضائية واقتصاد القمر.
والاختبار صعب: لا يمكن محاكاة الفراغ والغبار والحرارة كلها في وقت واحد بسهولة. ولهذا تُستخدم可观ات (Analogs): مواقع صحراوية، وحمّامات مائية، وغرف فراغ.
الصحة داخل البدلة
الخروج ليس جهداً بسيطاً: معدل الأيض يرتفع، والجسم يفقد سوائل، وترتفع الحرارة الداخلية. والبدلة يجب أن تُخرج هذه الحرارة من دون تسريب. وهناك أيضاً القيود على الرؤية والسمع والحركة، وهي ما يجعل كل مهمة خارجية خطة دقيقة بالدقائق.
ومع مهام أطول، يصبح التعامل مع الاحتياجات البدنية جزءاً من التصميم: الطعام، والماء، ودورة الحمام، وهي مسائل تُحل هندسياً في الرحلات الطويلة.
الحماية من الإشعاع
البدلة لا تحمي من الإشعاع الكوني الكثيف كما تحمي المركبة. ولهذا فإن الخروج في أوقات النشاط الشمسي العالي يُدار بحذر، وتُستخدم مراقبة الطقس الفضائي لتجنب الأوقات الخطرة. والتفاصيل في دروع الحماية من الإشعاع.
الخلاصة
البدلة هي أكثر جهاز يعكس حدود الهندسة: لا تستطيع أن تكون سميكة جداً (فتثقل)، ولا رقيقة (فتُخترق)، ولا مشدودة (فتمنع الحركة)، ولا مرخية (فلا تحفظ الضغط). النجاح هو التوازن بين كل هذه المتطلبات، وهذا هو السبب في أن كل جيل بدلات يستغرق عقداً.
اقرأ المزيد في قسم التقنية الفضائية والصناعات على موقع الفلك.
اترك تعليقاً