قبل خمسين عاماً، كان سكان المدن يرون درب التبانة من شرفات منازلهم. اليوم، أكثر من ثلث سكان الأرض لا يستطيعون رؤيتها أصلاً، وطفل من مدينة كبيرة قد يرى أقل من عشرين نجمة في سمائه. هذا ليس تغيّراً في الكون، بل في إضاءتنا.
التلوث الضوئي هو أحد أسرع التغيرات البيئية التي صنعها الإنسان، وهو الوحيد الذي يمكن إصلاحه بإطفاء مفتاح.
ما هو التلوث الضوئي تحديداً؟
هو الضوء الذي يُصدره الإنسان في غير موضعه: مصابيح الشوارع التي تضيء السماء بدل الأرض، ولافتات الإعلانات الساطعة، وأجهزة الإنارة التي تعمل طوال الليل بلا حاجة.
يُقاس التلوث الضوئي بسطوع السماء، ويُعبّر عنه بمقياس «بورتل» من 1 إلى 9: الدرجة الأولى سماء صحراوية مثالية، والتاسعة مركز مدينة لا ترى فيه إلا القمر والكواكب. معظم المدن العربية الكبرى تتراوح بين 7 و9.
لماذا يهم الأمر أكثر من كونه إزعاجاً؟
للفلكيين، هو يمحو نصف السماء. لكن الأثر يتجاوز الهواية: الدراسات تشير إلى تأثير الضوء الأزرق ليلاً على النوم وإفراز الميلاتونين، وإلى اضطراب في سلوك الحشرات والطيور المهاجرة، وإلى استهلاك كهربائي هائل يذهب إلى السماء.
ولهذا فإن «السماء المظلمة» ليست مطلباً رومانسياً، بل قضية بيئية وصحية لها جمعيات دولية ومحميات معتمدة.
كيف تجد سماءً مظلمة؟
أول أداة هي الخريطة. هناك خرائط عالمية للتلوث الضوئي تُظهر بقع السطوع بدقة كيلومترات، وتستطيع أن ترى فيها أقرب منطقة داكنة إلى بيتك. القاعدة العملية: كلما ابتعدت عن مركز المدينة مسافة تعادل عشرة أضعاف ارتفاع أضوائها، تحسّنت السماء.
ثاني أداة هي الاتجاه. لا تحتاج الابتعاد عن المدينة في كل الاتجاهات، بل في الاتجاه المعاكس لأقرب تجمع سكني كبير. موقع على بعد 30 كيلومتراً في الاتجاه الصحيح أفضل من موقع على بعد 60 كيلومتراً في الاتجاه الخاطئ.
ماذا تفعل إن لم تستطع المغادرة؟
هناك حلول عملية داخل المدينة. الأول: ابحث عن «جزيرة ظل» — حديقة أو سطح مبنى بعيد عن مصباح مباشر، فالمصباح القريب أسوأ من سطوع المدينة العام. الثاني: استخدم حائطاً أو مبنى يحجب الضوء القادم من الشارع.
الثالث: اضبط عينك. عشرون دقيقة في الظلام تكفي لترى نجومًا أكثر بمرتين. والرابع: انتقل إلى الأهداف التي تقاوم التلوث الضوئي، وهي القمر والكواكب والنجوم الساطعة، لا السدم والمجرات.
مرشحات التلوث الضوئي: هل تنفع؟
تُباع مرشحات تدّعي حجب ضوء المصابيح الصوديومية. هي تفيد في حالات محددة، خصوصاً مع السدم الإصدارية، لكنها لا تصنع سماءً من مدينة. وحتى أفضل مرشح لا يعيد درب التبانة إلى سماء ساطعة.
لذلك: المرشح أداة مساعدة لا حل. تفاصيل اختيارها في دليل العدسات والمرشحات.
الإضاءة الذكية: الحل الذي يعمل
المدن التي تحوّلت إلى مصابيح LED بحرارة لونية منخفضة (أقل من 3000 كلفن) وحواجز اتجاهية قلّلت سطوع سمائها بشكل ملموس. الفكرة بسيطة: الضوء يجب أن ينزل إلى الأرض، لا أن يشع أفقياً وإلى الأعلى.
هذا ليس خيالاً: مناطق كاملة في أوروبا وأمريكا الشمالية استعادت رؤية درب التبانة بعد تغيير أنظمة الإنارة. والثمن لم يكن كبيراً، لأن الإضاءة الموجّهة تستهلك أقل وتعطي نتائج أفضل على الأرض.
كيف تقيس سماءك بنفسك؟
لا تحتاج أجهزة. هناك طريقة بسيطة: عدّ النجوم داخل مربع صغير من السماء، مثل مربع «بيغاسوس» أو مجموعة «الجبار»، ومقارنة العدد بجداول معروفة. طريقة أخرى: هل ترى درب التبانة؟ هل ترى مجرة أندروميدا بالعين؟ كل إجابة تعطيك تقديراً لدرجة بورتل.
تسجيل هذه القياسات شهرياً في نفس الموقع يعطيك صورة عن تغيّر السماء فوقك، وقد يكون ذلك أول توثيق محلي من نوعه في منطقتك.
ماذا تفعل الليلة؟
أطفئ ما لا تحتاج. إن كان لديك مصباح خارجي، وجّهه إلى الأسفل وقلّل شدته. أخبر جاراً أو جمعية محلية بالأمر. هذه خطوات صغيرة، لكن التلوث الضوئي هو نوع من التلوث الذي يتقلص فعلاً حين يتوقف الناس عن إنتاجه.
وحتى ذلك الحين، فإن معرفة أين تذهب ليلة الجمعة قد تكون أهم من معرفة أي تلسكوب تشتري. للبداية الصحيحة، راجع دليل المبتدئين لرصد السماء.
اقرأ المزيد في قسم علم الفلك والراصدون على موقع الفلك.
اترك تعليقاً