منذ ستينيات القرن الماضي، هناك مجموعة صغيرة من العلماء يفعلون شيئاً يبدو غريباً: يوجّهون أطباقاً راديوية نحو النجوم ويستمعون. لا يرسلون، بل يستقبلون. وهذا هو جوهر «البحث عن الذكاء خارج الأرض» (SETI): البحث عن إشارة لا نعرف إن كانت موجودة.
لماذا الراديو؟
لأنه الوسيط الأرخص والأقل تشويشاً على مسافات كونية. الضوء المرئي يتشتت بالغبار، والموجات الدقيقة تُستخدم في الفلك لكنها محدودة. أما نطاق الراديو، وخصوصاً حول تردد الهيدروجين (1420 ميغاهرتز)، فهو «هادئ» نسبياً وقليل الضجيج.
ولهذا يُسمى هذا النطاق «الآبار المائية الكونية» (Water Hole): منطقة طبيعية قد يختارها أي عاقل للإرسال، لأنها أقل تشويشاً.
محاولات تاريخية
في 1974، أُرسلت رسالة «أريسيبو» نحو عنقود هرقل: 1679 بت، تصف الأرقام والذرة والحمض النووي والإنسان. كانت إشارة رمزية أكثر منها محاولة تواصل حقيقية.
وفي 1977 رصد تلسكوب «بيغ إير» إشارة قوية قصيرة عُرفت بـ«واو!»، ولم تتكرر قط. وما زالت تُدرّس كمثال على الإشارة المحتملة التي لا يمكن تأكيدها.
ما نبحث عنه اليوم
ثلاثة أنواع: إشارات ضيقة النطاق (لأن الطبيعية عريضة)، ونبضات دورية، و«بصمات تقنية» مثل وجود حرارة زائدة أو ضوء اصطناعي أو مواد غير طبيعية في غلاف كوكب.
ومع اكتشاف آلاف الكواكب الخارجية، صار من الممكن توجيه البحث إلى أنظمة محددة بدل مسح عشوائي. وهذا يسمى «SETI الموجّه».
التقنيات الحالية
مشاريع مثل «Breakthrough Listen» تستخدم تلسكوبات كبيرة لمسح ملايين النجوم، مع معالجة آلية للبيانات. والتحدي الأكبر هو «الضجيج»: إشارات الأرض، والأقمار، والرادارات، وميكروويف المطبخ.
ولهذا تُستخدم تقنيات «الرفض» (RFI rejection) وخوارزميات تعلّم آلي لتمييز الإشارات غير الطبيعية.
ماذا لو وصلت إشارة؟
هناك «إعلان مبادئ» يقترح إجراءات: التحقق من المصدر، وإبلاغ الاتحاد الفلكي الدولي والأمم المتحدة، وعدم الرد دون تشاور دولي واسع. وهذا إطار غير ملزم، لكنه يمنع ردوداً فردية.
والسؤال الأعمق: هل نرد؟ من يقرر باسم البشرية؟ وهل الرد يكشف موقعنا؟ وهذه أسئلة سياسية وأخلاقية أكثر منها تقنية.
الاعتراضات
أولاً: التكلفة مقابل احتمال ضعيف. ثانياً: بعض العلماء يرى أن إرسال إشارات («METI») خطر لأننا لا نعرف من يستقبل. ثالثاً: قد يكون البحث عن إشارة راديوية بحثاً عن تقنية عفا عليها الزمن — فالحضارات المتقدمة قد تستخدم الليزر أو الاتصال الكمي.
ولهذا وُسّع البحث ليشمل الليزر البصري وبصمات أخرى.
القيمة الحقيقية
حتى لو لم نجد شيئاً، فإن كل بحث يطوّر أدواتنا: معالجة إشارات، وتلسكوبات، وقدرة على تمييز الأجسام الضعيفة. وهذه الأدوات تُستخدم في دراسة النجوم والكواكب أيضاً.
وهذا يعني أن SETI ليس مشروعاً منفصلاً عن الفلك، بل مسار فرعي منه. ولمن يريد الخلفية النظرية، اقرأ مفارقة فيرمي.
الخلاصة
SETI هو أطول تجربة في التاريخ بلا نتيجة — حتى الآن. لكنه يطرح سؤالاً يخصّنا: هل نحن مستعدون لمعرفة أننا لسنا وحدنا؟ الجواب ليس تقنياً، بل ثقافي وسياسي، ويستحق تفكيراً قبل أن تأتي الإشارة.
اقرأ المزيد في قسم الملفات الخاصة على موقع الفلك.
اترك تعليقاً